Surah 51: Az-Zariyat — الذاريات
۞ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ
«قال فما خطبكم» شأنكم «أيها المرسلون».
قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ
«قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين» كافرين هم قوم لوط.
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن طِينٍۢ
«لنرسل عليهم حجارة من طين» مطبوخ بالنار.
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ
«مُسَوَّمة» معلمة عليها اسم من يْرمى بها «عند ربك» ظرف لها «للمسرفين» بإتيانهم الذكور مع كفرهم.
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
«فأخرجنا من كان فيها» أي قرى قوم لوط «من المؤمنين» لإهلاك الكافرين.
فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍۢ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
«فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين» وهو لوط وابنتاه وصفوا بالإيمان والإسلام، أي هم مصدقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات.
وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةًۭ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ
«وتركنا فيها» بعد إهلاك الكافرين «آية» علامة على إهلاكهم «للذين يخافون العذاب الأليم» فلا يفعلون مثل فعلهم.
وَفِى مُوسَىٰٓ إِذْ أَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ
«وفي موسى» معطوف على فيها، المعنى وجعلنا في قصة موسى آية «إذ أرسلناه إلى فرعون» ملتبسا «بسلطان مبين» بحجة واضحة.
فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌۭ
«فتولى» أعرض عن الإيمان «بركنه» مع جنوده لأنهم له كالركن «وقال» لموسى هو «ساحر أو مجنون».
فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌۭ
«فأخذناه وجنوده فنبذناهم» طرحناهم «في اليم» البحر فغرقوا «وهو» أي فرعون «مُليم» آت بما يلام عليه من تكذيب الرسل ودعوى الربوبية.
وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ
«وفي» إهلاك «عاد» آية «إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم» هي التي لا خير فيها لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور.
مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ
«ما تذر من شيء» نفس أو مال «أتت عليه إلا جعلته كالرميم» كالبالي المتفتت.
وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا۟ حَتَّىٰ حِينٍۢ
(وفي) إهلاك (ثمود) آية (إذ قيل لهم) بعد عقر الناقة (تمتعوا حتى حين) إلى انقضاء آجالكم كما في آية "" تمتعوا في داركم ثلاثة أيام "".
فَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ
«فعتوْا» تكبروا «عن أمر ربهم» أي عن امتثاله «فأخذتهم الصاعقة» بعد مضي الثلاثة أيام أي الصيحة المهلكة «وهم ينظرون» أي بالنهار.
فَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ مِن قِيَامٍۢ وَمَا كَانُوا۟ مُنتَصِرِينَ
«فما استطاعوا من قيام» أي ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب «وما كانوا منتصرين» على من أهلكهم.
وَقَوْمَ نُوحٍۢ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ
«وقوم نوح» بالجر عطف على ثمود أي وفى إهلاكهم بما في السماء والأرض آية, وبالنصب أي وأهلكنا قوم نوح «من قبل» أي قبل إهلاك هؤلاء المذكورين «إنهم كانوا قوما فاسقين».
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَيْي۟دٍۢ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
«والسماء بنيناها بأيد» بقوة «وإنا لموسعون» قادرون يقال: أد الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل: صار ذا سعة وقوة.
وَٱلْأَرْضَ فَرَشْنَٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَٰهِدُونَ
«والأرض فرشناها» مهدناها «فنعم الماهدون» نحن «ومن كل شيء» متعلق بقوله خلقنا زوجين.
وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
«ومن كل شيء» متعلق بقوله: خلقنا «خلقنا زوجين» صنفين كالذكر والأنثى والسماء والأرض، والشمس والقمر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والحلو والحامض والنور والظلمة «لعلكم تذكَّرون» بحذف إحدى التاءين من الأصل فتعلمون أن خالق الأزواج فرد فتعبدوه.
فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ
«ففروا إلى الله» أي إلى ثوابه من عقابه بأن تطيعوه ولا تعصوه «إني لكم منه نذير مبين» بيِّن الإنذار.
وَلَا تَجْعَلُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ
«ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين» يقدر قبل ففروا قل لهم.
كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
«كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا» هو «ساحر أو مجنون» أي مثل تكذيبهم لك بقولهم إنك ساحر أو مجنون تكذيب الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك.
أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ طَاغُونَ
«أتواصوْا» كلهم «به» استفهام بمعنى النفي «بل هم قوم طاغون» جمعهم على هذا القول طغيانهم.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍۢ
«فتولَّ» أعرض «عنهم فما أنت بملوم» لأنك بلغتهم الرسالة.
وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
«وذكر» عظ بالقرآن «فإن الذكرى تنفع المؤمنين» من علم اللهُ تعالى أنه يؤمن.
وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأن الغاية لا يلزم وجودها كما في قولك: بريت هذا القلم لأكتب به، فإنك قد لا تكتب به.
مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍۢ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ
«ما أريد منهم من رزق» لي ولأنفسهم وغيرهم «وما أريد أن يطعمون» ولا أنفسهم ولا غيرهم.
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ
«إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين» الشديد.
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًۭا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَٰبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ
«فإن للذين ظلموا» أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم «ذنوبا» نصيبا من العذاب «مثل ذنوب» نصيب «أصحابهم» الهالكين قبلهم «فلا يستعجلون» بالعذاب إن أخرتهم إلى يوم القيامة.
فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ
«فويل» شدة عذاب «للذين كفروا من» في «يومهم الذي يوعدون» أي يوم القيامة.
Surah 52: At-Tur — الطور
وَٱلطُّورِ
«والطور» أي الجبل الذي كلم الله عليه موسى.
وَكِتَٰبٍۢ مَّسْطُورٍۢ
«وكتاب مسطور».
فِى رَقٍّۢ مَّنشُورٍۢ
«في رقٍّ منشور» أي التوراة أو القرآن.
وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ
«والبيت المعمور» هو في السماء الثالثة أو السادسة أو السابعة بحيال الكعبة يزوره كل يوم سبعون ألف ملك بالطواف والصلاة لا يعودون إليه أبدا.
وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ
«والسقف المرفوع» أي السماء.
وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ
«والبحر المسجور» أي المملوء.
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌۭ
«إن عذاب ربك لواقع» لنازل بمستحقه.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍۢ
«ماله من دافع» عنه.
يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًۭا
«يوم» مفعول لواقع «تمور السماء مورا» تتحرك وتدور.
وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًۭا
«وتسير الجبال سيرا» تصير هباء منثورا وذلك في يوم القيامة.
فَوَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ
«فويل» شدة عذاب «يومئذ للمكذبين» للرسل.
ٱلَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍۢ يَلْعَبُونَ
«الذين هم في خوض» باطل «يلعبون» أي يتشاغلون بكفرهم.
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
«يوم يُدعُّون إلى نار جهنم دعّا» يدفعون بعنف بدل من يوم تمور، ويقال لهم تبكيتا.
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
«هذه النار التي كنتم بها تكذبون».
أَفَسِحْرٌ هَٰذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ
«أفسحر هذا» العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في الوحي هذا سحر «أم أنتم لا تبصرون».
ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
«اصلوْها فاصبروا» عليها «أو لا تصبروا» صبركم وجزعكم «سواء عليكم» لأن صبركم لا ينفعكم «إنما تجزون ما كنتم تعملون» أي جزاءه.
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَنَعِيمٍۢ
«إن المتقين في جنات ونعيم».
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ
«فاكهين» متلذذين «بما» مصدرية «آتاهم» أعطاهم «ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم» عطفا على آتاهم، أي بإتيانهم ووقايتهم ويقال لهم.
كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
«كلوا واشربوا هنيئا» حال أي: مهنئين «بما» الباء سببية «كنتم تعملون».
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّصْفُوفَةٍۢ ۖ وَزَوَّجْنَٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ
(متكئين) حال من الضمير المستكن في قوله "" في جنات "" (على سرر مصفوفة) بعضها إلى جنب بعض (وزوجناهم) عطف على جنات، أي قرناهم (بحور عين) عظام الأعين حسانها.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌۭ
«والذين آمنوا» مبتدأ «أتبعناهم» وفي قراءة واتبعتهم معطوف على آمنوا «ذرياتهم» وفي قراءة ذريتهم الصغار والكبار «بإيمان» من الكبار ومن أولادهم الصغار والخبر «ألحقنا بهم ذرياتهم» المذكورين في الجنة فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم «وما ألتناهم» بفتح اللام وكسرها نقصناهم «من عملهم من» زائدة «شيء» يزاد في عمل الأولاد «كل امرئ بما كسب» من عمل خير أو شر «رهين» مرهون يؤاخذ بالشر ويجازى بالخير.
وَأَمْدَدْنَٰهُم بِفَٰكِهَةٍۢ وَلَحْمٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ
«وأمددناهم» زدناهم في وقت بعد وقت «بفاكهة ولحم ما يشتهون» وإن لم يصرحوا بطلبه.
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأْسًۭا لَّا لَغْوٌۭ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌۭ
«يتنازعون» يتعاطون بينهم «فيها» أي الجنة «كأسا» خمرا «لا لغوٌ فيها» أي بسبب شربها يقع بينهم «ولا تأثيم» به يلحقهم بخلاف خمر الدنيا.
۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌۭ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌۭ مَّكْنُونٌۭ
«ويطوف عليهم» للخدمة «غلمان» أرقاء «لهم كأنهم» حسنا ولطافة «لؤلؤ مكنون» مصون في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيرها.
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ
«وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» يسأل بعضهم بعضا عما كانوا عليه وما وصلوا إليه تلذذا واعترافا بالنعمة.
قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ
«قالوا» إيماء إلى علة الوصول «إنا كنا قبل في أهلنا» في الدنيا «مشفقين» خائفين من عذاب الله.
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ
«فمنّ الله علينا» بالمغفرة «ووقانا عذاب السموم» النار لدخولها في المسام وقالوا إيماء أيضا.
إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ
«إنا كنا من قبل» أي في الدنيا «ندعوه» نعبده موحدين «إنه» بالكسر استئنافا وإن كان تعليلا معنى وبالفتح تعليلا لفظا «هو البر» المحسن الصادق في وعده «الرحيم» العظيم الرحمة.
فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍۢ وَلَا مَجْنُونٍ
«فذكِّر» دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه لقولهم لك كاهن مجنون «فما أنت بنعمة ربك» بإنعامه عليك «بكاهن» خبر ما «ولا مجنون» معطوف عليه.
أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌۭ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ
«أم» بل «يقولون» هو «شاعر نتربص به ريْب المنون» حوادث الدهر فيهلك كغيره من الشعراء.
قُلْ تَرَبَّصُوا۟ فَإِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ
«قل تربصوا» هلاكي «فإني معكم من المتربصين» هلاككم فعذبوا بالسيف يوم بدر، والتربص الانتظار.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَٰمُهُم بِهَٰذَآ ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌۭ طَاغُونَ
«أم تأمرهم أحلامهم» عقولهم «بهذا» قولهم له: ساحر كاهن مجنون، أي لا تأمرهم بذلك «أم» بل «هم قوم طاغون» بعنادهم.
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ
«أم يقولون تقوَّلهُ» اختلق القرآن، لم يختلقه «بل لا يؤمنون» استكبارا، فإن قالوا اختلقه.
فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍۢ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَٰدِقِينَ
«فليأتوا بحديث» مختلق «مثله إن كانوا صادقين» في قولهم.
أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ
«أم خُلقوا من غير شيء» من غير خالق «أم هم الخالقون» أنفسهم ولا يعقل مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق فلابد من خالق هو الله الواحد فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه.
أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ
«أم خلقوا السماوات والأرض» ولا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق فلم لا يعبدونه «بل لا يوقنون» به وإلا لآمنوا بنبيه.
أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ
«أم عندهم خزائن ربك» من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا من شاءُوا بما شاءُوا «أم هم المسيطرون» المتسلطون الجبارون وفعله سيطر ومثله بيطر وبيقر.
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌۭ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍ
«أم لهم سلم» مرقى إلى السماء «يستمعون فيه» أي عليه كلام الملائكة حتى يمكنهم منازعة النبي بزعمهم إن ادعوا ذلك «فليأت مبين» بحجة مستمعهم مدعي الاستماع عليه «بسلطان مبين» بينة واضحة ولشبه هذا الزعم بزعمهم أن الملائكة بنات الله قال تعالى.
أَمْ لَهُ ٱلْبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ
«أم له البنات» بزعمكم «ولكم البنون» تعالى الله عما زعمتموه.
أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًۭا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍۢ مُّثْقَلُونَ
«أم تسألهم أجرا» على ما جئتهم به من الدين «فهم من مغرم» غرم ذلك «مثقلون» فلا يسلمون.
أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
«أم عندهم الغيب» أي علمه «فهم يكتبون» ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي صلى الله عليه وسلم في البعث وأمور الآخرة بزعمهم.
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًۭا ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ
«أم يريدون كيدا» بك ليهلكوك في دار الندوة «فالذين كفروا هم المكيدون» المغلوبون المهلكون فحفظه الله منهم ثم أهلكهم ببدر.
أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
«أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون» به من الآلهة والاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ.
وَإِن يَرَوْا۟ كِسْفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطًۭا يَقُولُوا۟ سَحَابٌۭ مَّرْكُومٌۭ
(وإن يروا كسفا) بعضا (من السماء ساقطا) عليهم كما قالوا: "" فأسقط علينا كسفا من السماء "" أي تعذيبا لهم (يقولوا) هذا (سحاب مركوم) متراكب نروى به ولا يؤمنون.
فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ
«فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون» يموتون.
يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ
«يوم لا يغني» بدل من يومهم «عنهم كيدهم شيئا ولا هم يُنصرون» يمنعون من العذاب في الآخرة.
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ عَذَابًۭا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
«وإنَّ للذين ظلموا» بكفرهم «عذابا دون ذلك» في الدنيا قبل موتهم فعذبوا بالجوع والقحط سبع سنين وبالقتل يوم بدر «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن العذاب ينزل بهم.
وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ
«واصبر لحكم ربك» بإمهالهم ولا يضق صدرك «فإنك بأعيننا» بمرأى منا نراك ونحفظك «وسبح» متلبسا «بحمد ربك» أي قل: سبحان الله وبحمده «حين تقوم» من منامك أو من مجلسك.
وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَٰرَ ٱلنُّجُومِ
«ومن الليل فسبحه» حقيقة أيضا «وإدبار النجوم» مصدر، أي عقب غروبها سبحه أيضا، أو صلّ في الأول العشاءين، وفي الثاني الفجر وقيل الصبح.
Surah 53: An-Najm — النجم
وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ
«والنَّجم» الثريا «إذا هوى» غاب.
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ
«ما ضل صاحبكم» محمد عليه الصلاة والسلام عن طريق الهداية «وما غوى» ما لابس الغي وهو جهل من اعتقاد فاسد.
وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ
«وما ينطق» بما يأتيكم به «عن الهوى» هوى نفسه.
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ
«إن» ما «هو إلا وحي يوحى» إليه.
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ
«علمه» إياه ملك «شديد القوى».
ذُو مِرَّةٍۢ فَٱسْتَوَىٰ
«ذو مرة» قوة وشدة أو منظر حسن، أي جبريل عليه السلام «فاستوى» استقر.
وَهُوَ بِٱلْأُفُقِ ٱلْأَعْلَىٰ
«وهو بالأفق الأعلى» أفق الشمس، أي عند مطلعها على صورته التي خلق عليها فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب فخر مغشيا عليه وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها فواعده بحراء فنزل جبريل له في سورة الآدميين.
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ
«ثم دنا» قرب منه «فتدلى» زاد في القرب.
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ
«فكان» منه «قاب» قدر «قوسين أو أدنى» من ذلك حتى أفاق وسكن روعه.
فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ
«فأوحى» تعالى «إلى عبده» جبريل «ما أوحى» جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الموحي تفخيما لشأنه.
مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ
«ما كذب» بالتخفيف والتشديد أنكر «الفؤاد» فؤاد النبي «ما رأى» ببصره من صورة جبريل.
أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ
«أفتمارونه» تجادلونه وتغلبونه «على ما يرى» خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل.
وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ
«ولقد رآه» على صورته «نزلةً» مرة «أخرى».
عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ
«عند سدرة المنتهى» لما أسري به في السماوات، وهي شجرة نبق عن يمين العرش لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم.
عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ
«عندها جنة المأوى» تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين.
إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ
«إذ» حين «يغشى السدرة ما يغشى» من طير وغيره، وإذ معمولة لرآه.
مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ
«ما زاغ البصر» من النبي صلى الله عليه وسلم «وما طغى» أي ما مال بصره عن مرئيه المقصود له ولا جاوزه تلك الليلة.
لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ
«لقد رأى» فيها «من آيات ربه الكبرى» العظام، أي بعضها فرأى من عجائب الملكوت رفرفا أخضر سد أفق السماء وجبريل له ستمائة جناح.
أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ
«أفرأيتم اللات والعزى».
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ
«ومناة الثالثة» للتين قبلها «الأخرى» صفة ذم للثالثة وهي أصنام من حجارة كان المشركون يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله، ومفعول أفرأيتم الأول اللات وما عطف عليه والثاني محذوف والمعنى أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدم ذكره، ولما زعموا أيضا أن الملائكة بنات الله مع كراهتهم البنات نزلت.
أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ
«ألكم الذكر وله الأنثى».
تِلْكَ إِذًۭا قِسْمَةٌۭ ضِيزَىٰٓ
«تلك إذا قسمة ضيزى» جائزة من ضازه يضيزه إذا ظلمه وجار عليه.
إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ
«إن هي» أي ما المذكورات «إلا أسماء سميتموها» أي سميتم بها «أنتم وآباؤكم» أصناما تعبدونها «ما أنزل الله بها» أي بعبادتها «من سلطان» حجة وبرهان «إن» ما «يتبعون» في عبادتها «إلا الظن وما تهوى الأنفس» مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند الله تعالى «ولقد جاءهم من ربهم الهدى» على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه.
أَمْ لِلْإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ
«أم للإنسان» أي لكل إنسان منهم «ما تمنى» من أن الأصنام تشفع لهم؟ ليس الأمر كذلك.
فَلِلَّهِ ٱلْءَاخِرَةُ وَٱلْأُولَىٰ
«فلله الآخرة والأولى» أي الدنيا فلا يقع فيهما إلا ما يريده تعالى.
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ
(وكم من ملك) أي وكثير من الملائكة (في السماوات) وما أكرمهم عند الله (لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله) لهم فيها (لمن يشاء) من عباده (ويرضى) عنه لقوله "" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى "" ومعلوم أنها لا توجد منهم إلا بعد الإذن فيها "" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ".
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ
«إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى» حيث قالوا: هم بنات الله.
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًۭٔا
«وما لهم به» بهذا القول «من علم إن» ما «يتبعون» فيه «إلا الظن» الذي تخيلوه «وإن الظن لا يغني من الحق شيئا» أي عن العلم فيما المطلوب فيه العلم.
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا
«فأعرض عن من تولى عن ذكرنا» أي القرآن «ولم يُرد إلا الحياة الدنيا» وهذا قبل الأمر بالجهاد.
ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ
«ذلك» أي طلب الدنيا «مبلغهم من العلم» أي نهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى» عالم بهما فيجازيهما.
وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى
«ولله ما في السماوات وما في الأرض» هو مالك لذلك، ومنه الضال والمهتدي يُضل من يشاء ويهدي من يشاء «ليجزي الذين أساءوا بما عملوا» من الشرك وغيره «ويجزي الذين أحسنوا» بالتوحيد وغيره من الطاعات «بالحسنى» الجنة وبيَّن المحسنين بقوله.
ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ
«الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا الَّلمَمَ» هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر «إن ربك واسع المغفرة» بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا صيامنا حجنا: «هو أعلم» أي عالم «بكم إذ أنشأكم من الأرض» أي خلق آباكم آدم من التراب «وإذ أنتم أجنة» جمع جنين «في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم» لا تمدحوها على سبيل الإعجاب أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن «هو أعلم» أي عالم «بمن اتقى».
أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ
«أفرأيت الذي تولى» عن الإيمان ارتد لما عير به وقال إني خشيت عقاب الله فضمن له المعير له أن يحمل عنه عذاب الله إن رجع إلى شركه وأعطاه من ماله كذا فرجع.
وَأَعْطَىٰ قَلِيلًۭا وَأَكْدَىٰٓ
«وأعطى قليلا» من المال المسمى «وأكدى» منع الباقي مأخوذ من الكدية وهي أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر.
أَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ
«أعنده علم الغيب فهو يرى» يعلم جملته أن غيره يتحمل عنه عذاب الآخرة؟ لا، وهو الوليد بن المغيرة أو غيره، وجملة أعنده المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني.
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ
«أم» بل «لم ينبأ بما في صحف موسى» أسفار التوراة أو صحف قبلها.
وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ
(و) صحف (إبراهيم الذي وفى) تمم ما أمر به نحو "" وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "" وبيان ما:
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ
«أ» ن «لا تزر وازرة وزر أخرى» إلخ وأن مخففة من الثقيلة، أي لا تحمل نفس ذنب غيرها.
وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ
«وأن» بأنه «ليس للإنسان إلا ما سعى» من خير فليس له من سعي غيره الخير شيء.
وَأَنَّ سَعْيَهُۥ سَوْفَ يُرَىٰ
«وأن سعيه سوف يُرى» يبصر في الآخرة.
ثُمَّ يُجْزَىٰهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلْأَوْفَىٰ
«ثم يجزاه الجزاء الأوفى» الأكمل يقال: جزيته سعيه وبسعيه.
وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ
«وأن» بالفتح عطفا وقرئ بالكسر استئنافا وكذا ما بعدها فلا يكون مضمون الجمل في الصحف على الثاني «إلى ربك المنتهى» المرجع والمصير بعد الموت فيجازيهم.
وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ
«وأنه هو أضحك» من شاء أفرحه «وأبكى» من شاء أحزنه.
وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا
«وأنه هو أمات» في الدنيا «وأحيا» للبعث.
وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ
«وأنه خلق الزوجين» الصنفين «الذكر والأنثى».
مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ
«من نطفة» منيٍّ «إذا تُمنى» تصب في الرحم.
وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُخْرَىٰ
«وأن عليه النَّشآءَةَ» بالمد والقصر «الأخرى» الخلقة الأخرى للبعث بعد الخلقة الأولى.
وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ
«وأنه هو أغنى» الناس بالكفاية بالأموال «وأقنى» أعطى المال المتخذ قُنية.
وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ
«وأنه هو رب الشعرى» هي كوكب خلف الجوزاء كانت تعبد في الجاهلية.
وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ
«وأنه أهلك عادا الأولى» وفي قراءة بإدغام التنوين في اللام وضمها بلا همزة وهي قوم عاد والأخرى قوم صالح.
وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ
«وثمودا» بالصرف اسم للأب وبلا صرف للقبيلة وهو معطوف على عادا «فما أبقى» منهم أحدا.
وَقَوْمَ نُوحٍۢ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ
(وقوم نوح من قبل) أي قبل عاد وثمود أهلكناهم (إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) من عاد وثمود لطول لبث نوح فيهم "" فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما "" وهم مع عدم إيمانهم به يؤذونه ويضربونه.
وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ
«والمؤتفكة» وهي قرى قوم لوط «أهوى» أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض بأمره جبريل بذلك.
فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ
«فغشاها» من الحجارة بعد ذلك «ما غشى» أبْهم تهويلا، وفي هود: (جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل).
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ
«فبأي آلاء ربك» أنعمه الدالة على وحدانيته وقدرته «تتمارى» تتشكك أيها الإنسان أو تكذب.
هَٰذَا نَذِيرٌۭ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلْأُولَىٰٓ
«هذا» محمد «نذير من النذر الأولى» من جنسهم، أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم.
أَزِفَتِ ٱلْءَازِفَةُ
«أزفت الآزفة» قربت القيامة.
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ
«ليس لها من دون الله» نفس «كاشفة» أي لا يكشفها ويظهرها إلا هو كقوله «لا يجليها لوقتها إلا هو».
أَفَمِنْ هَٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
«أفمن هذا الحديث» أي القرآن «تعجبون» تكذيبا.
وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ
«وتضحكون» استهزاءً «ولا تبكون» لسماع وعده ووعيده.
وَأَنتُمْ سَٰمِدُونَ
«وأنتم سامدون» لاهون غافلون عما يطلب منكم.
فَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا۟ ۩
«فاسجدوا لله» الذي خلقكم «واعبدوا» ولا تسجدوا للأصنام ولا تعبدوها.
Surah 54: Al-Qamar — القمر
ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ
«اقتربت الساعة» قربت القيامة «وانشق القمر» انفلق فلقتين على أبي قبيس وقيقعان آية له صلى الله عليه وسلم وقد سئلها فقال (اشهدوا) رواه الشيخان.
وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةًۭ يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌۭ مُّسْتَمِرٌّۭ
«وإن يروْا» أي كفار قريش «آية» معجزة له صلى الله عليه وسلم «يعرضوا ويقولوا» هذا «سحر مستمر» قوي من المرة: القوة أو دائم.
وَكَذَّبُوا۟ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍۢ مُّسْتَقِرٌّۭ
«وكذبوا» النبي صلى الله عليه وسلم «واتبعوا أهواءهم» في الباطل «وكل أمر» من الخير والشر «مستقر» بأهله في الجنة أو النار.
وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ
«ولقد جاءهم من الأنباء» أخبار إهلاك الأمم المكذبة رسلهم «ما فيه مزدجر» لهم اسم مكان والدال بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته: نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة.
حِكْمَةٌۢ بَٰلِغَةٌۭ ۖ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ
«حكمة» خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما أو من مزدجر «بالغة» تامة «فما تغن» تنفع فيهم «النذر» جمع نذير بمعنى منذر، أي الأمور المنذورة لهم وما للنفي أو للاستفهام الإنكاري وهي على الثاني مفعول مقدم.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍۢ نُّكُرٍ
«فتول عنهم» هو فائدة ما قبله وتم به الكلام «يوم يدع الداع» هو إسرافيل وناصب يوم يخرجون بعد «إلى شيءٍ نكُر» بضم الكاف وسكونها، أي منكر تنكره النفوس وهو الحساب.
خُشَّعًا أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌۭ مُّنتَشِرٌۭ
«خاشعا» أي ذليلا، وفي قراءة خُشَّعا بضم الخاء وفتح الشين مشددة «أبصارهم» حال من الفاعل «يخرجون» أي الناس «من الأجداث» القبور «كأنهم جراد منتشر» لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة، والجملة حال من فاعل يخرجون وكذا قوله.
مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ۖ يَقُولُ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌۭ
«مهطعين» مسرعين مادين أعناقهم «إلى الداعِ يقول الكافرون» منهم «هذا يوم عَسِرٌ» صعب على الكافرين كما في المدثر (يوم عسير على الكافرين).
۞ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ فَكَذَّبُوا۟ عَبْدَنَا وَقَالُوا۟ مَجْنُونٌۭ وَٱزْدُجِرَ
«كذَّبت قبلهم» قبل قريش «قوم نوح» تأنيث الفعل لمعنى قوم «فكذبوا عبدنا» نوحا «وقالوا مجنون وازدجر» انتهروه بالسب وغيره.
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌۭ فَٱنتَصِرْ
«فدعا ربه أني» بالفتح، أي بأني «مغلوب فانتصر».
فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍۢ مُّنْهَمِرٍۢ
«ففتحنا» بالتخفيف والتشديد «أبواب السماء بماءٍ منهمر» منصب انصبابا شديدا.
وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًۭا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ قَدْ قُدِرَ
«وفجرنا الأرض عيونا» تنبع «فالتقى الماء» ماء السماء والأرض «على أمر» حال «قد قُدِر» قضي به في الأزل وهو هلاكهم غرقا.
وَحَمَلْنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍۢ وَدُسُرٍۢ
«وحملناه» أي نوحا «على» سفينة «ذات ألواح ودُسر» وهو ما تشد به الألواح من المسامير وغيرها وأحدها دسار ككتاب.
تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءًۭ لِّمَن كَانَ كُفِرَ
«تجري بأعيننا» بمرأى منا، أي محفوظة «جزاءً» منصوب بفعل مقدر، أي أغرقوا انتصارا «لمن كان كفر» وهو نوح عليه السلام، وقرئ كفر بالبناء للفاعل، أي أغرقوا عقابا.
وَلَقَد تَّرَكْنَٰهَآ ءَايَةًۭ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ
«ولقد تركناها» أبقينا هذه الفعلة «آية» لمن يعتبر بها، أي شاع خبرها واستمر «فهل من مدَّكر» معتبر ومتعظ بها وأصله مذتكر أبدلت التاء دالا مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها.
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ
«فكيف كان عذابي ونُذُر» أي إنذاري استفهام تقرير، وكيف خبر كان وهي للسؤال عن الحال والمعنى حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ
«ولقد يسرنا القرآن للذكر» سهلناه للحفظ وهيأناه للتذكر «فهل من مدكر» متعظ به وحافظ له والاستفهام بمعنى الأمر، أي احفظوا واتعظوا به وليس يحفظ من كتب الله عن ظهر القلب غيره.
كَذَّبَتْ عَادٌۭ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ
«كذبت عاد» نبيهم هودا فعذبوا «فكيف كان عذابي ونذر» إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله أي وقع موقعه وقد بينه بقوله.
إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ
«إنا أرسلنا عليهم ريحا صرْصرا» أي شديدة الصوت «في يوم نحس» شؤم «مستمر» دائم الشؤم أو قويه وكان يوم الأربعاء آخر الشهر.
تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ
«تنزع الناس» تقلعهم من حفر الأرض المندسين فيها وتصرعهم على رءوسهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد «كأنهم» وحالهم ما ذكر «أعجاز» أصول «نخل منقعر» منقطع ساقط على الأرض وشبهوا بالنخل لطولهم وذكر هنا وأنث في الحاقة (نخل خاوية) مراعاة للفواصل في الموضعين.
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ
«فكيف كان عذابي ونذر».
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ
«ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر».
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ
«كذبت ثمود بالنذر» جمع نذير بمعنى منذر، أي بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح إن لم يؤمنوا به ويتبعوه.
فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرًۭا مِّنَّا وَٰحِدًۭا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّفِى ضَلَٰلٍۢ وَسُعُرٍ
«فقالوا أبشرا» منصوب على الاشتغال «منا واحدا» صفتان لـ بشرا «نتبعه» مفسر للفعل الناصب له والاستفهام بمعنى النفي المعنى كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة وهو واحد منا وليس بملك، أي لا نتبعه «إنا إذًا» إن اتبعناه «لفي ضلال» ذهاب عن الصواب «وسعر» جنون.
أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌۭ
«أألقي» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه «الذكر» الوحي «عليه من بيننا» أي لم يوح إليه «بل هو كذاب» في قوله إنه أوحي إليه ما ذكر «أشر» متكبر بطر، قال تعالى.
سَيَعْلَمُونَ غَدًۭا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ
«سيعلمون غدا» في الآخرة «من الكذاب الأشر» وهو أو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم نبيهم صالحا.
إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةًۭ لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ
«إنا مرسلو الناقة» مخرجوها من الهضبة الصخرة كما سألوا «فتنة» محنة «لهم» لنخبرهم «فارتقبهم» يا صالح أي انتظر ما هم صانعون وما يصنع بهم «واصطبر» الطاء بدل من تاء الافتعال أي اصبر على أذاهم.
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍۢ مُّحْتَضَرٌۭ
«ونبئهم أن الماء قسمة» مقسوم «بينهم» وبين الناقة يوم لهم ويوم لها «كلُّ شرب» نصيب من الماء «محتضر» يحضره القوم يومهم والناقة يومها فتمادوا على ذلك ثم ملوه فهموا بقتل الناقة.
فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ
«فنادوا صاحبهم» قدرا ليقتلها «فتعاطى» تناول السيف «فعقر» به الناقة، أي قتلها موافقة لهم.
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ
«فكيف كان عذابي ونذر» إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي وقع موقعه وبيَّنه بقوله.
إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَكَانُوا۟ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ
«إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر» هو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب والسباع وما سقط من ذلك فداسته هو الهشيم.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ
«ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر».
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ
«كذبت قوم لوط بالنذر» بالأمور المنذرة لهم على لسانه.
إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍۢ ۖ نَّجَّيْنَٰهُم بِسَحَرٍۢ
«إنا أرسلنا عليهم حاصبا» ريحا ترميهم بالحصباء وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا «إلا آل لوط» وهم ابنتاه معه «نجيناهم بسحر» من الأسحار وقت الصبح من يوم غير معين ولو أريد من يوم معين لمنع من الصرف لأنه معرفة معدول عن السحر لأن حقه أن يستعمل في المعرفة بأل وهل أرسل الحاصب على آل لوط أولا؟ قولان وعبر عن الاستثناء على الأول بأنه متصل وعلى الثاني بأنه منقطع وإن كان من الجنس تسمحا.
نِّعْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ
«نعمة» مصدر، أي إنعاما «من عندنا كذلك» أي مثل ذلك الجزاء «نجزي من شكر» أنعمنا وهو مؤمن أو من آمن بالله ورسوله وأطاعهما.
وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ
«ولقد أنذرهم» خوفهم لوط «بطشتنا» أخذتنا إياهم بالعذاب «فتماروا» تجادلوا وكذبوا «بالنذر» بإنذاره.
وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ
«ولقد راودوه عن ضيفه» أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف ليخبثوا بهم وكانوا ملائكة «فطمسنا أعينهم» أعميناها وجعلناها بلا شق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل بجناحه «فذوقوا» فقلنا لهم ذوقوا «عذابي ونذر» إنذاري وتخويفي، أي ثمرته وفائدته.
وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌۭ مُّسْتَقِرٌّۭ
«ولقد صبحهم بكرة» وقت الصبح من يوم غير معين «عذاب مستقر» دائم متصل بعذاب الآخرة.
فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ
«فذوقوا عذابي ونذر».
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ
«ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل مدكر».
وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ
«ولقد جاء آل فرعون» قومه معه «النذر» الإنذار على لسان موسى وهارون فلم يؤمنوا بل
كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَٰهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍۢ مُّقْتَدِرٍ
«كذبوا بآياتنا كلها» التسع التي أوتيها موسى «فأخذناهم» بالعذاب «أخذ عزيز» قوي «مقتدر» قادر لا يعجزه شيء.
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌۭ مِّنْ أُو۟لَٰٓئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌۭ فِى ٱلزُّبُرِ
«أكفاركم» يا قريش «خير من أولئكم» المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذروا «أم لكم» يا كفار قريش «براءة» من العذاب «في الزبر» الكتب والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي أي ليس الأمر كذلك.
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌۭ مُّنتَصِرٌۭ
«أم يقولون» أي كفار قريش «نحن جميع» جمع «منتصر» على محمد، ولما قال أبو جهل يوم بدر إنا جمع منتصر نزل.
سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ
«سيهزم الجمع ويولون الدبر» فهزموا ببدر ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم.
بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ
«بل الساعة موعدهم» بالعذاب «والساعة» أي عذابها «أدهى» أعظم بلية «وأمر» أشد مرارة عذاب الدنيا.
إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَٰلٍۢ وَسُعُرٍۢ
«إن المجرمين في ضلال» هلاك بالقتل في الدنيا «وسعر» نار مستعرة بالتشديد أي مهيجة في الآخرة.
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا۟ مَسَّ سَقَرَ
«يوم يسحبون في النار على وجوههم» في الآخرة ويقال لهم «ذوقوا مس سقر» إصابة جهنم لكم.
إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَٰهُ بِقَدَرٍۢ
«إنا كل شيء» منصوب بفعل يفسره «خلقناه بقدر» بتقدير حال من كل أي مقدرا وقرئ كل بالرفع مبتدأ خبره خلقناه.
وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٌۭ كَلَمْحٍۭ بِٱلْبَصَرِ
«وما أمرنا» لشيء نريد وجوده «إلا» مرة «واحدة كلمح بالبصر» في السرعة وهي قول: كن فيوجد (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون).
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ
«ولقد أهلكنا أشياعكم» أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية «فهل من مدكر» استفهام بمعنى الأمر، أي اذكروا واتعظوا.
وَكُلُّ شَىْءٍۢ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ
«وكل شيء فعلوه» أي العباد مكتوب «في الزبر» كتب الحفظة.
وَكُلُّ صَغِيرٍۢ وَكَبِيرٍۢ مُّسْتَطَرٌ
«وكل صغير وكبير» من الذنب أو العمل «مستطر» مكتوب في اللوح المحفوظ.
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَنَهَرٍۢ
«إن المتقين في جنات» بساتين «ونَهر» أريد به الجنس، وقرئ بضم النون والهاء جمعا كأسد وأسد، والمعنى أنهم يشربون من أنهار الماء واللبن والعسل والخمر.
فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍۢ مُّقْتَدِرٍۭ
«في مقعد صدق» مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم أريد به الجنس، وقرئ مقاعد، المعنى أنهم في مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم بخلاف مجالس الدنيا فقلَّ أن تسلم من ذلك وأعرب هذا خبرا ثانيا وبدلا وهو صادق ببدل البعض وغيره «عند مليك» مثال مبالغة، أي عزيز الملك واسعه «مقتدر» قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى وفيه إشارة إلى الرتبة والقربة من فضله تعالى.
Surah 55: Ar-Rahman — الرحمن
ٱلرَّحْمَٰنُ
«الرحمن» الله تعالى.
عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ
«علَّم» من شاء «القرآن».
خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ
«خلق الإنسان» أي الجنس.
عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ
«علَّمه البيان» النطق.
ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ
«الشمس والقمر بحسبان» يجريان.
وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
«والنجم» ما لا ساق له من النبات «والشجر» ما له ساق «يسجدان» يخضعان لما يراد منهما.
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ
«والسماء رفعها ووضع الميزان» أثبت العدل.
أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ
«ألا تطغوا» أي لأجل أن لا تجوروا «في الميزان» ما يوزن به.
وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ
«وأقيموا الوزن بالقسط» بالعدل «ولا تخسروا الميزان» تنقصوا الموزون.
وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ
«والأرض وضعها» أثبتها «للأنام» للخلق الإنس والجن وغيرهم.
فِيهَا فَٰكِهَةٌۭ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ
«فيها فاكهة والنخل» المعهود «ذات الأكمام» أوعية طلعها.
وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ
«والحب» كالحنطة والشعير «ذو العصف» التين «والريحان» الورق المشموم.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
(فبأي آلاء) نعم (ربكما) أيها الإنس والجن (تكذبان) ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير لما روي الحاكم عن جابر قال: "" قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: مالي أراكم سكوتا، لَلْجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد "".
خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ كَٱلْفَخَّارِ
«خلق الإنسان» آدم «من صلصال» طين يابس يسمع له صلصلة، أي صوت إذا نقر «كالفخار» وهو ما طبخ من الطين.
وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍۢ مِّن نَّارٍۢ
«وخلق الجان» أبا الجن وهو إبليس «من مارج من نار» هو لهبها الخالص من الدخان.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ
«رب المشرقين» مشرق الشتاء ومشرق الصيف «ورب المغربين» كذلك.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ
«مرج» أرسل «البحرين» العذب والملح «يلتقيان» في رأي العين.
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ
«بينهما برزخ» حاجز من قدرته تعالى «لا يبغيان» لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ
«يَُخرج» بالبناء للمفعول والفاعل «منهما» من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح «اللؤلؤ المرجان» خرز أحمر أو صغار اللؤلؤ.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَٰمِ
«وله الجوار» السفن «المنشآت» المحدثات «في البحر كالأعلام» كالجبال عظما وارتفاعا.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء تكذبان».
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ
«كل من عليها» أي الأرض من الحيوان «فان» هالك وعبر بمن تغليبا للعقلاء.
وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ
«ويبقى وجه ربك» ذاته «ذو الجلال» العظمة «والإكرام» للمؤمنين بأنعمه عليهم.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍۢ
«يسأله من في السماوات والأرض» بنطق أو حال: ما يحتاجون إليه من القوة على العبادة والرزق والمغفرة وغير ذلك «كل يوم» وقت «هو في شأن» أمر يُظهره على وفق ما قدره في الأزل من إحياء و إماتة وإعزاز وإذلال وإغناء وإعدام وإجابة داع وإعطاء سائل وغير ذلك.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ
«سنفرغ لكم» سنقصد لحسابكم «أيها الثقلان» الإنس والجن.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍۢ
«يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا» تخرجوا «من أقطار» نواحي «السماوات والأرض فانفذوا» أمر تعجيز «لا تنفذون إلا بسلطان» بقوة ولا قوة لكم على ذلك.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌۭ مِّن نَّارٍۢ وَنُحَاسٌۭ فَلَا تَنتَصِرَانِ
«يرسل عليكما شواظ من نار» هو لهبها الخالص من الدخان أو معه «ونحاس» أي دخان لا لهب فيه «فلا تنتصران» تمتنعان من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةًۭ كَٱلدِّهَانِ
«فإذا انشقت السماء» انفرجت أبوابا لنزول الملائكة «فكانت وردة» أي مثلها محمرة «كالدهان» كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها وجواب إذا فما أعظم الهول.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فَيَوْمَئِذٍۢ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌۭ وَلَا جَآنٌّۭ
«فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان» عن ذنبه ويُسألون في وقت آخر (فوربك لنسألنَّهم أجمعين) والجان هنا وفيما سيأتي بمعنى الجن والإنس فيهما بمعنى الإنسي.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ
«يعرف المجرمون بسيماهم» سواد الوجوه وزرقة العيون «فيؤخذ بالنواصي الأقدام».
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان» تضم ناصية كل منهم إلى قدميه من خلف أو قدام ويلقى في النار ويقال لهم.
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
«هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون».
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍۢ
«يطوفون» يسعون «بينها وبين حميم» ماء حار «آن» شديد الحرارة يسقونه إذا استغاثوا من حر النار، وهو منقوص كقاض.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ
«ولمن خاف» أي لكل منهم أو لمجموعهم «مقام ربه» قيامه بين يديه للحساب فترك معصيته «جنتان».
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
ذَوَاتَآ أَفْنَانٍۢ
«ذواتا» تثنية ذوات على الأصل ولامها ياء «أفنان» أغصان جمع فنن كطلل.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ
«فيهما عينان تجريان».
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٍۢ زَوْجَانِ
«فيهما من كل فاكهة» في الدنيا أو كل ما يتفكه به «زوجان» نوعان رطب ويابس والمر منهما في الدنيا كالحنظل حلو.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍۢ ۚ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍۢ
«متكئين» حال عامله محذوف، أي يتنعمون «على فرش بطائنها من إستبرق» ما غلظ من الديباج وخشن والظهائر من السندس «وجنى الجنتين» ثمرهما «دان» قريب يناله القائم والقاعد والمضطجع.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ
«فيهن» في الجنتين وما اشتملتا عليه من العلالي والقصور «قاصرات الطرف» العين على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن «لم يطمثهن» يفتضهن وهن من الحور أو من نساء الدنيا المنشآت «إنس قبلهم ولا جان».
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ
«كأنهن الياقوت» صفاء «والمرجان» اللؤلؤ بياضا.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَٰنُ
«هل» ما «جزاء الإحسان» بالطاعة «إلا الإحسان» بالنعيم.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ
«ومن دونهما» الجنتين المذكورتين «جنتان» أيضا لمن خاف مقام ربه.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
مُدْهَآمَّتَانِ
«مدهامتان» سوداوان من شدة خضرتهما.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ
«فيهما عينان نضاختان» فوارتان بالماء.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فِيهِمَا فَٰكِهَةٌۭ وَنَخْلٌۭ وَرُمَّانٌۭ
«فيهما فاكهة ونخل ورمان» هما منها وقيل من غيرها.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌۭ
«فيهن» أي الجنتين وما فيهما «خيرات» أخلاقا «حسان» وجوها.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
حُورٌۭ مَّقْصُورَٰتٌۭ فِى ٱلْخِيَامِ
«حور» شديدات سواد العيون وبياضها «مقصورات» مستورات «في الخيام» من در مجوف مضافة إلى القصور شبيهة بالخدور.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ
«لم يطمثهن إنس قبلهم» قبل أزواجهن «ولا جان».
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍۢ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍۢ
«متكئين» أي أزواجهم وإعرابه كما تقدم «على رفرف خضر» جمع رفرفة، أي بسط أو وسائد «وعبقري حسان» جمع عبقرية، أي طنافس.
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
تَبَٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ
«تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام» تقدم ولفظ اسم زائد.
Surah 56: Al-Waqia — الواقعة
إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ
«إذا وقعت الواقعة» قامت القيامة.
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ
«ليس لوقعتها كاذبة» نفس تكذب بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا.
خَافِضَةٌۭ رَّافِعَةٌ
«خافضة رافعة» أي هي مظهرة لخفض أقوام بدخولهم النار ولرفع آخرين بدخولهم الجنة.
إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّۭا
«إذا رجت الأرض رجا» حركت حركة شديدة.
وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّۭا
«وبست الجبال بسا» فتتت.
فَكَانَتْ هَبَآءًۭ مُّنۢبَثًّۭا
«فكانت هباءً» غبارا «منبثا» منتشرا، وإذا الثانية بدل من الأولى.
وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًۭا ثَلَٰثَةًۭ
«وكنتم» في القيامة «أزواجا» أصنافا «ثلاثة».
فَأَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ
«فأصحاب الميمنة» وهم الذين يؤتون كتبهم بإيمانهم مبتدأ خبره «ما أصحاب الميمنة» تعظيم لشأنهم بدخولهم الجنة.
وَأَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ
«وأصحاب المشأمة» أي الشمال بأن يؤتى كل منهم كتابه بشماله «ما أصحاب المشأمة» تحقير لشأنهم بدخولهم النار.
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ
«والسابقون» إلى الخير وهم الأنبياء مبتدأ «السابقون» تأكيد لتعظيم شأنهم.
أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ
«أولئك المقربون».
فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ
«في جنات النعيم».
ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ
«ثلة من الأولين» مبتدأ، أي جماعة من الأمم الماضية.
وَقَلِيلٌۭ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ
«وقليل من الآخرين» من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم السابقون من الأمم الماضية وهذه الأمة والخبر.
عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّوْضُونَةٍۢ
«على سرر موضونة» منسوجة بقضبان الذهب والجواهر.
مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيْهَا مُتَقَٰبِلِينَ
«متكئين عليها متقابلين» حالان من الضمير في الخبر.
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌۭ مُّخَلَّدُونَ
«يطوف عليهم» للخدمة «ولدان مخلدون» على شكل الأولاد لا يهرمون.
بِأَكْوَابٍۢ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۢ
«بأكواب» أقداح لا عرى لها «وأباريق» لها عرى وخراطيم «وكأس» إناء شرب الخمر «من معين» أي خمر جارية من منبع لا ينقطع أبدا.
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ
«لا يصدعون عنها ولا ينزَِفون» بفتح الزاي وكسرها من نزف الشارب وأنزف، أي لا يحصل لهم منها صداع ولا ذهاب عقل بخلاف خمر الدنيا.
وَفَٰكِهَةٍۢ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ
«وفاكهة مما يتخيرون».
وَلَحْمِ طَيْرٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ
«ولحم طير مما يشتهون و» لهم للاستمتاع.
وَحُورٌ عِينٌۭ
«وحور» نساء شديدات سواد العيون وبياضها «عين» ضخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء ومفرده عيناء كحمراء وفي قراءة بجر حور عين.
كَأَمْثَٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ
«كأمثال اللؤلؤ المكنون» المصون.
جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
«جزاءً» مفعول له أو مصدر والعامل المقدر أي جعلنا لهم ما ذكر للجزاء أو جزيناهم «بما كانوا يعملون».
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا تَأْثِيمًا
«لا يسمعون فيها» في الجنة «لغوا» فاحشا من الكلام «ولا تأثيما» ما يؤثم.
إِلَّا قِيلًۭا سَلَٰمًۭا سَلَٰمًۭا
«إلا» لكن «قيلا» قولا «سلاما» سلاما بدل من قيلا فإنهم يسمعونه.
وَأَصْحَٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْيَمِينِ
«وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين».
فِى سِدْرٍۢ مَّخْضُودٍۢ
«في سدر» شجر النبق «مخضود» لا شوك فيه.
وَطَلْحٍۢ مَّنضُودٍۢ
«وطلح» شجر الموز «منضود» بالحمل من أسفله إلى أعلاه.
وَظِلٍّۢ مَّمْدُودٍۢ
«وظل ممدود» دائم.
وَمَآءٍۢ مَّسْكُوبٍۢ
«وماء مسكوب» جار دائما.
وَفَٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ
«وفاكهة كثيرة».
لَّا مَقْطُوعَةٍۢ وَلَا مَمْنُوعَةٍۢ
«لا مقطوعة» في زمن «ولا ممنوعة» بثمن.
وَفُرُشٍۢ مَّرْفُوعَةٍ
«وفرش مرفوعة» على السرر.
إِنَّآ أَنشَأْنَٰهُنَّ إِنشَآءًۭ
«إنا أنشأناهن إنشاءً» أي الحور العين من غير ولادة.
فَجَعَلْنَٰهُنَّ أَبْكَارًا
«فجعلناهن أبكارا» عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع.
عُرُبًا أَتْرَابًۭا
«عرُْبا» بضم الراء وسكونها جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها عشقا له «أترابا» جمع ترب، أي مستويات في السن.
لِّأَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ
«لأصحاب اليمين» صلة أنشأناهن أو جعلناهن وهم.
ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ
«ثلة من الأولين».
وَثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ
«وثلة من الآخرين».
وَأَصْحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلشِّمَالِ
«وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال».
فِى سَمُومٍۢ وَحَمِيمٍۢ
«في سموم» ريح جارة من النار تنفذ في المسام «وحميم» ماء شديد الحرارة.
وَظِلٍّۢ مِّن يَحْمُومٍۢ
«وظل من يحموم» دخان شديد السواد.
لَّا بَارِدٍۢ وَلَا كَرِيمٍ
«لا بارد» كغيره من الظلال «ولا كريم» حسن المنظر.
إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ
«إنهم كانوا قبل ذلك» في الدنيا «مترفين» منعمين لا يتعبون في الطاعة.
وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ
«وكانوا يصرون على الحنث» الذنب «العظيم» أي الشرك.
وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
«وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون» في الهمزتين في الموضوعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين.
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ
«أو آباؤنا الأولون» بفتح الواو للعطف والهمزة للاستفهام وهو في ذلك وفيما قبله للاستبعاد وفي قراءة بسكون الواو عطفا بأو والمعطوف عليه محل إن واسمها.
قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ
«قل إن الأولين والآخرين».
لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ
«لمجموعون إلى ميقات» لوقت «يوم معلوم» أي يوم القيامة.
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ
«ثم إنكم أيها الضالون المكذبون».
لَءَاكِلُونَ مِن شَجَرٍۢ مِّن زَقُّومٍۢ
«لآكلون من شجر من زقوم» بيان للشجر.
فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
«فمالئون منها» من الشجر «البطون».
فَشَٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ
«فشاربون عليه» أي الزقوم المأكول «من الحميم».
فَشَٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ
«فشاربون شَُرب» بفتح الشين وضمها مصدر «الهيم» الإبل العطاش جمع هيمان للذكر وهيمى للأنثى، كعطشان وعطشى.
هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ
«هذا نزلهم» ما أعد لهم «يوم الدين» يوم القيامة.
نَحْنُ خَلَقْنَٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
«نحن خلقناكم» أوجدناكم من عدم «فلولا» هلا «تصدقون» بالبعث إذ القادر على الإنشاء قادر على الإعادة.
أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ
«أفرأيتم ما تمنون» تريقون من المني في أرحام النساء.
ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَٰلِقُونَ
«أأنتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه في المواضع الأخرى «تخلقونه» أي المني بشرا «أم نحن الخالقون».
نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
«نحن قدَّرنا» بالتشديد والتخفيف «بينكم الموت وما نحن بمسبوقين» بعاجزين.
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ
«على» عن «أن نبدل» نجعل «أمثالكم» مكانكم «وننشئكم» نخلقكم «في مالا تعلمون» من الصور كالقردة والخنازير.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
«ولقد علمتم النّشاءَةَ الأولى» وفي قراءة بسكون الشين «فلولا تذكرون» فيه إدغام التاء الثانية في الأصل في الذال.
أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ
«أفرأيتم ما تحرثون» تثيرون في الأرض وتلقون البذر فيها.
ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ
«أأنتم تزرعونه» تنبتونه «أم نحن الزارعون».
لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَٰهُ حُطَٰمًۭا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
«لو نشاء لجعلناه حطاما» نباتا يابسا لا حب فيه «فظلتم» أصله ظللتم بكسر اللام حذفت تخفيفا أي أقمتم نهارا «تفكهون» حذفت منه إحدى التاءين في الأصل تعجبون من ذلك وتقولون.
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ
«إنا لمغرمون» نفقة زرعنا.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
«بل نحن محرومون» ممنوعون رزقنا.
أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ
«أفرأيتم الماء الذي تشربون».
ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ
«أأنتم أنزلتموه من المزن» السحاب جمع مزنة «أم نحن المنزلون».
لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَٰهُ أُجَاجًۭا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
«لو نشاء جعلناه أجاجا» ملحا لا يمكن شربه «فلولا» هلا «تشكرون».
أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ
«أفرأيتم النار التي تورون» تُخرجون من الشجر الأخضر.
ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ
«أأنتم أنشأتم شجرتها» كالمرخ والعفار والكلخ «أم نحن المنشئون».
نَحْنُ جَعَلْنَٰهَا تَذْكِرَةًۭ وَمَتَٰعًۭا لِّلْمُقْوِينَ
«نحن جعلناها تذكرة» لنار جهنم «ومتاعا» بُلْغَة «للمقوين» للمسافرين من أقوى القوم: أي صاروا بالقوى بالقصر والمد أي القفر وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء.
فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ
«فسبح» نزه «باسم» زائدة «ربك العظيم» الله.
۞ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ
«فلا أقسم» لا زائدة «بمواقع النجوم» بمساقطها لغروبها.
وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌۭ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
«وإنه» أي القسم بها «لقسم لو تعلمون عظيم» لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم.
إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌۭ كَرِيمٌۭ
«إنه» أي المتلو عليكم «لقرآن كريم».
فِى كِتَٰبٍۢ مَّكْنُونٍۢ
«في كتاب» مكتوب «مكنون» مصون وهو المصحف.
لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ
«لايمسّه» خبر بمعنى النهي «إلا المطهرون» الذين طهروا أنفسهم من الأحداث.
تَنزِيلٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
«تنزيل» منزل «من رب العالمين».
أَفَبِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ
«أفبهذا الحديث» القرآن «أنتم مدهنون» متهاونون مكذبون.
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
«وتجعلون رزقكم» من المطر، أي شكره «أنكم تكذبون» بسقيا الله حيث قلتم مطرنا بنوء كذا.
فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ
«فلولا» فهلا «إذا بلغت» الروح وقت النزع «الحلقوم» هو مجرى الطعام.
وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ
«وأنتم» يا حاضري الميت «حينئذ تنظرون» إليه.
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ
«ونحن أقرب إليه منكم» بالعلم «ولكن لا تبصرون» من البصيرة، أي لا تعلمون ذلك.
فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ
«فلولا» فهلا «إن كنتم غير مدينين» مجزيين بأن تبعثوا، أي غير مبعوثين بزعمكم.
تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
«ترجعونها» تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم «إن كنتم صادقين» فيما زعمتم فلولا الثانية تأكيد للأولى وإذا ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان والمعنى: هلا ترجعونها إن نفيتم البعث صادقين في نفيه، أي لينتفي عن محلها الموت كالبعث.
فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ
«فأما إن كان» الميت «من المقربين».
فَرَوْحٌۭ وَرَيْحَانٌۭ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ
«فروْح» أي فله استراحة «وريحان» رزق حسن «وجنة نعيم» وهل الجواب لأما أو لإن أو لهما؟ أقوال.
وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ
«وأما إن كان من أصحاب اليمين».
فَسَلَٰمٌۭ لَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ
«فسلام لك» أي له السلامة من العذاب «من أصحاب اليمين» من جهة أنه منهم.
وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ
«وأما إن كان من المكذبين الضالين».
فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ
(فنزل من حميم) من إضافة الموصوف إلى صفته.
وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ
(وتصلية جحيم) من إضافة الموصوف إلى صفته.
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ
«إن هذا لهو حق اليقين» من إضافة الموصوف إلى صفته.
فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ
«فسبح باسم ربك العظيم» تقدم.
Surah 57: Al-Hadid — الحديد
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
«سبَّح لله ما في السماوات والأرض» أي نزهه كل شيء فاللام مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر «وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.
لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ
«له ملك السماوات والأرض يحيي» بالإنشاء «ويميت» بعده «وهو على كل شيء قدير».
هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
«هو الأول» قبل كل شيء بلا بداية «والآخر» بعد كل شيء بلا نهاية «والظاهر» بالأدلة عليه «والباطن» عن إدراك الحواس «وهو بكل شيء عليم».
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ
«هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» من أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة «ثم استوى على العرش» الكرسي استواءً يليق به «يعلم ما يلج» يدخل «في الأرض» كالمطر والأموات «وما يخرج منها» كالنبات والمعادن «وما ينزل من السماء» كالرحمة والعذاب «وما يعرج» يصعد «فيها» كالأعمال الصالحة والسيئة «وهو معكم» بعلمه «أين ما كنتم والله بما تعملون بصير».
لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ
«له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور» الموجودات جميعها.
يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
«يولج الليل» يدخله «في النهار» فيزيد وينقص الليل «ويولج النهار في الليل» فيزيد وينقص النهار «وهو عليم بذات الصدور» بما فيها من الأسرار والمعتقدات.
ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ
«آمنوا» داوموا على الإيمان «بالله ورسوله وأنفقوا» في سبيل الله «مما جعلكم مستخلفين فيه» من مال من تقدمكم وسيخلفكم فيه من بعدكم، نزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك «فالذين آمنوا منكم وأنفقوا» إشارة إلى عثمان رضي الله عنه «لهم أجر كبير».
وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۙ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
(وما لكم لا تؤمنون) خطاب للكفار، أي لا مانع لكم من الإيمان (بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ) بضم الهمزة وكسر الخاء وبفتحها ونصب ما بعده (ميثاقكم) عليه أي أخذه الله في عالم الذر حين أشهدهم على أنفسهم "" ألست بربكم قالوا بلى "" (إن كنتم مؤمنين) أي مريدين الإيمان به فبادروا إليه.
هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍۢ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ
«هو الذي ينزل على عبده آيات بينات» آيات القرآن «ليخرجكم من الظلمات» الكفر «إلى النور» الإيمان «وإن الله بكم» في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان «لرؤوف رحيم».
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَٰتَلَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةًۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ
«ومالكم» بعد إيمانكم «ألا» فيه إدغام نون أن في لام لا «تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض» بما فيهما فتصل إليه أموالكم من غير أجر الإنفاق بخلاف ما لو أنفقتم فتؤجرون «لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح» لمكة «وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا» من الفريقين، وفي قراءة بالرفع مبتدأ «وعد الله الحسنى» الجنة «والله بما تعملون خبير» فيجازيكم به.
مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ
«من ذا الذي يقرض الله» بإنفاق ماله في سبيل الله «قرضا حسنا» بأن ينفقه لله «فيضاعفه» وفي قراءة فيضعفه بالتشديد «له» من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما ذكر في البقرة «وله» مع المضاعفة «أجر كريم» مقترن به رضا وإقبال.
يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
اذكر «يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم» أمامهم «و» يكون «بأيمانهم» ويقال لهم «بُشراكم اليوم جنات» أي ادخلوها «تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم».
يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًۭا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍۢ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ
«يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا» أبصرونا وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الظاء: أمهلونا «نقتبس» نأخذ القبس والإضاءة «من نوركم قيل» لهم استهزاءً بهم «ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا» فرجعوا «فضرب بينهم» وبين المؤمنين «بسور» قيل هو سور الأعراف «له باب باطنه فيه الرحمة» من جهة المؤمنين «وظاهره» من جهة المنافقين «من قبله العذاب».
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
«ينادونهم ألم نكن معكم» على الطاعة «قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم» بالنفاق «وتربصتم» بالمؤمنين الدوائر «وارتبتم» شككتم في دين الإسلام «وغرتكم الأمانيُّ الأطماع «حتى جاء أمر الله» الموت «وغركم بالله الغَرور» الشيطان.
فَٱلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌۭ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ مَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ ۖ هِىَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
«فاليوم لا يُؤخذ» بالياء والتاء «منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم» أولى بكم «وبئس المصير» هي.
۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ
«ألم يَأنِ» يَحِن «للذين آمنوا» نزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح «أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزَّل» بالتشديد والتخفيف «من الحق» القرآن «ولا يكونوا» معطوف على تخشع «كالذين أوتوا الكتاب من قبل» هم اليهود والنصارى «فطال عليهم الأمد» الزمن بينهم وبين أنبيائهم «فقست قلوبهم» لم تلن لذكر الله «وكثير منهم فاسقون».
ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
«اعلموا» خطاب للمؤمنين المذكورين «أن الله يحيي الأرض بعد موتها» بالنبات فكذلك يفعل بقلوبكم يردها إلى الخشوع «قد بينا لكم الآيات» الدالة على قدرتنا بهذا وغيره «لعلكم تعقلون».
إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا يُضَٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ
«إن المصَّدقين» من التصديق أدغمت التاء في الصاد، أي الذين تصدقوا «والمصَّدقات» اللاتي تصدقن وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق والإيمان «وأقرضوا الله قرضا حسنا» راجع إلى الذكور والإناث بالتغليب وعطف الفعل على الاسم في صلة أل لأنه فيها حل محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصدق تقييد له «يضاعف» وفي قراءة يضعف بالتشديد، أي قرضهم «لهم ولهم أجر كريم».
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ
«والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون» المبالغون في التصديق «والشهداء عند ربهم» على المكذبين من الأمم «لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا» الدالة على وحدانيتنا «أولئك أصحاب الجحيم» النار.
ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ وَزِينَةٌۭ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌۭ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًۭا ۖ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌۭ ۚ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ
«اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة» تزين «وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد» أي الاشتغال فيها، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة «كمثل» أي هي في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل «غيث» مطر «أعجب الكفار» الزارع «نباته» الناشئ، عنه «ثم يهيج» ييبس «فتراه مصفرا ثم يكون حطاما» فتاتا يضمحل بالرياح «وفي الآخرة عذاب شديد» لمن آثر عليها الدنيا «ومغفرة من الله ورضوان» لمن لم يؤثر عليها الدنيا «وما الحياة الدنيا» ما التمتع فيها «إلا متاع الغرور».
سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
«سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض» لو وصلت إحداهما بالأخرى والعرض: السعة «أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم».
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ
«ما أصاب من مصيبة في الأرض» بالجدب «ولا في أنفسكم» كالمرض وفقد الولد «إلا في كتاب» يعنى اللوح المحفوظ «من قبل أن نبرأها» نخلقها، ويقال في النعمة كذلك «إن ذلك على الله يسير».
لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍ
«لكيلا» كي ناصبة للفعل بمعنى أن، أي أخبر تعالى بذلك لئلا «تأسوا» تحزنوا «على ما فاتكم ولا تفرحوا» فرح بطر بل فرح شكر على النعمة «بما آتاكم» بالمد أعطاكم وبالقصر جاءكم منه «والله لا يحب كل مختال» متكبر بما أوتي «فخور» به على الناس.
ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ
«والذين يبخلون» بما يجب عليهم «ويأمرون الناس بالبخل» به لهم وعيد شديد «ومن يتولى» عما يجب عليه «فإن الله هو» ضمير فصل وفي قراءة بسقوطه «الغني» عن غيره «الحميد» لأوليائه.
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ
«لقد أرسلنا رسلنا» الملائكة إلى الأنبياء «بالبينات» بالحجج القواطع «وأنزلنا معهم الكتاب» بمعنى الكتب «والميزان» العدل «ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد» أخرجناه من المعادن «فيه بأس شديد» يقاتل به «ومنافع للناس وليعلم الله» علم مشاهدة، معطوف على ليقوم الناس «من ينصره» بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره «ورسوله بالغيب» حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه «إن الله قوي عزيز» لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًۭا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍۢ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ
«ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب» يعني الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فإنها في ذرية إبراهيم «فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون».
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةًۭ وَرَحْمَةًۭ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ
«ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية» هي رفض النساء واتخاذ الصوامع «ابتدعوها» من قبل أنفسهم «ما كتبناها عليهم» ما أمرناهم بها «إلا» لكن فعلوها «ابتغاء رضوان» مرضاة «الله فما رعوْها حق رعايتها» إذ تركها كثير منهم وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم فآمنوا بنبينا «فآتينا الذين آمنوا» به «منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون».
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًۭا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
«يا أيها الذين آمنوا» بعيسى «اتقوا الله وآمنوا برسوله» محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى «يؤتكم كفلين» نصيبين «من رحمته» لإيمانكم بالنبيين «ويجعل لكم نورا تمشون به» على الصراط «ويغفر لكم والله غفور رحيم».
لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
«لئلا يعلم» أي أعلمكم بذلك ليعلم «أهل الكتاب» بالتوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم «أن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والمعنى أنهم «لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله» خلاف ما في زعمهم أنهم أحباء الله وأهل رضوانه «وأن الفضل بيد الله يؤتيه» يعطيه «من يشاء» فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين كما تقدم «والله ذو الفضل العظيم».