Surah 36: Yasin — يس

۞ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ
«وما» نافية «أنزلنا على قومه» أي حبيب «من بعده» بعد موته «من جند من السماء» أي ملائكة لإهلاكهم «وما كنا منزلين» ملائكة لإهلاك أحد.
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَٰمِدُونَ
«إن» ما «كانت» عقوبتهم «إلا صيحة واحدة» صاح بهم جبريل «فإذا هم خامدون» ساكنون ميتون.
يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ
«يا حسرة على العباد» هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا، وهي شدة التألم ونداؤها مجاز، أي هذا أوانك فاحضري «ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءُون» مسوق لبيان سببها لاشتماله على استهزائهم المؤدى إلى إهلاكهم المسبب عنه الحسرة.
أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
(ألم يروا) أي أهل مكة القائلون للنبي "لست مرسلا" والاستفهام للتقرير أي علموا (كم) خبرية بمعنى كثيرا معمولة لها بعدها معلقة لما قبلها عن العمل، والمعنى إنا (أهلكنا قبلهم) كثيرا (من القرون) الأمم (أنهم) أي المهلكين (إليهم) أي المكذبين (لا يرجعون) أفلا يعتبرون بهم، وأنه الخ بدل مما قبله برعاية المعنى المذكور.
وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
«وإن» نافية أو مخففة «كل» أي كل الخلائق مبتدأ «لما» بالتشديد بمعنى إلا، أو بالتخفيف، فاللام فارقة وما مزيدة «جميع» خبر المبتدأ، أي مجموعون «لدينا» عندنا في الموقف بعد بعثهم «محضرون» للحساب خبر ثان.
وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّۭا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
«وآية لهم» على البعث خبر مقدم «الأرض الميتة» بالتخفيف والتشديد «أحييناها» بالماء مبتدأ «وأخرجنا منها حبا» كالحنطة «فمنه يأكلون».
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَٰبٍۢ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ
«وجعلنا فيها جنات» بساتين «من نخيلٍ وأعنابٍ وفجَّرنا فيها من العيون» أي بعضها.
لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
«ليأكلوا من ثمره» بفتحتين وضمتين، أي ثمر المذكور من النخيل وغيره «وما عملته أيديهم» أي لم تعمل الثمر «أفلا يشكرون» أنعمه تعالى عليهم.
سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ
«سبحان الذي خلق الأزواج» الأصناف «كلها مما تنبت الأرض» من الحبوب وغيرها «ومن أنفسهم» من الذكور والإناث «ومما لا يعلمون» من المخلوقات العجيبة الغريبة.
وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ
«وآية لهم» على القدرة العظيمة «الليل نسلخ» نفصل «منه النهار فإذا هم مظلمون» داخلون في الظلام.
وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
«والشمس تجري» إلى آخره من جملة الآية لهم آية أخرى والقمر كذلك «لمستقر لها» أي إليه لا تتجاوزه «ذلك» أي جريها «تقدير العزيز» في ملكه «العليم» بخلقه.
وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ
«والقمرُ» بالرفع والنصب وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده «قدَرناه» من حيث سيره «منازل» ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما وليلة إن كان تسعة وعشرين يوما «حتى عاد» في آخر منازله في رأي العين «كالعرجون القديم» أي كعود الشماريخ إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصفر.
لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ
«لا الشمس ينبغي» يسهل ويصح «لها أن تدرك القمر» فتجتمع معه في الليل «ولا الليل سابق النهار» فلا يأتي قبل انقضائه «وكل» تنويه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم «في فلك» مستدير «يسبحون» يسيرون نزلوا منزلة العقلاء.
وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
«وآية لهم» على قدرتنا «أنا حملنا ذريتهم» وفي قراءة ذرياتهم، أي آباءهم الأصول «في الفلك» أي سفينة نوح «المشحون» المملوء.
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ
«وخلقنا لهم من مثله» أي مثل فلك نوح وهو ما عملوه على شكله من السفن الصغار والكبار بتعليم الله تعالى «ما يركبون» فيه.
وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ
«وإن نشأ نغرقهم» مع إيجاد السفن «فلا صريخ» مغيث «لهم ولا هم ينقذون» ينجون.
إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ
«إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين» أي لا ينجيهم إلا رحمتنا لهم وتمتيعنا إياهم بلذاتهم إلى انقضاء آجالهم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
«وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم» من عذاب الدنيا كغيرهم «وما خلفكم» من عذاب الآخرة «لعلكم ترحمون» أعرضوا.
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
«وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين».
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ
«وإذا قيل» أي قال فقراء الصحابة «لهم أنفقوا» علينا «مما رزقكم الله» من الأموال «قال الذين كفروا للذين آمنوا» استهزاءً بهم «أنطعم من لو يشاء الله أطعمه» في معتقدكم هذا «إن» ما «أنتم» في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا «إلا في ضلال مبين» بيَّن وللتصريح بكفرهم موقع عظيم.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
«ويقولون متى هذا الوعد» بالبعث «إن كنتم صادقين» فيه.
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ
قال تعالى: «ما ينظرون» أي ينتظرون «إلا صيحة واحدة» وهي نفخة إسرافيل الأولى «تأخذهم وهم يخصِّمون» بالتشديد أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الحاء وأدغمت في الصاد، أي وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة يخصمون كيضربون، أي يخصم بعضهم بعضا.
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
«فلا يستطيعون توصية» أي أن يوصوا «ولا إلى أهلهم يرجعون» من أسواقهم وأشغالهم بل يموتون فيها.
وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ
«ونفخ في الصور» هو قرن النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة «فإذا هم» أي المقبورين «من الأجداث» القبور «إلى ربهم ينسلون» يخرجون بسرعة.
قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ
«قالوا» أي الكفار منهم «يا» للتنبيه «ويلنا» هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه «من بعثنا من مرقدنا» لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا «هذا» أي البعث «ما» أي الذي «وعد» به «الرحمن وصدق» فيه «المرسلون» أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقيل: يقال لهم ذلك.
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
«إن» ما «كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا» عندنا «محضرون».
فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
«فاليوم لا تظلم نفسٌ شيئا ولا تجزون إلا» جزاء «ما كنتم تعملون».
إِنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَٰكِهُونَ
«إن أصحاب الجنة اليوم في شغْل» بسكون الغين وضمها عما فيه أهل النار مما يتلذذون به كافتضاض الأبكار، لا شغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نصب فيها «فاكهون» ناعمون خبر ثان لإن، والأول في شغل.
هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ
«هم» مبتدأ «وأزواجهم في ظلال» جمع ظلة أو ظل خبر أي لا تصيبهم الشمس «على الأرائك» جمع أريكة، وهو السرير في الحجلة أو الفرش فيها «متكئون» خبر ثان متعلق بعلى.
لَهُمْ فِيهَا فَٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ
«لهم فيها فاكهة ولهم» فيها «ما يدَّعون» يتمنون.
سَلَٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ
«سلام» مبتدأ «قولا» أي بالقول خبره «من رب رحيم» بهم، أي يقول لهم: سلام عليكم.
وَٱمْتَٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
«و» يقول «امتازوا اليوم أيها المجرمون» أي انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم.
۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ
«ألم أعهد إليكم» آمركم «يابني آدم» على لسان رسلي «أن لا تعبدوا الشيطان» لا تطيعوه «إنه لكم عدوٌ مبين» بيَّن العداوة.
وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ
«وأن اعبدوني» وحِّدوني وأطيعوني «هذا صراط» طريق «مستقيم».
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ
«ولقد أضل منكم جبلا» خلقا جمع جبيل كقديم، وفي قراءة بضم الباء «كثيرا أفلم تكونوا تعقلون» عداوته وإضلاله أو ما حل بهم من العذاب فتؤمنون، ويقال لهم في الآخرة.
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ
«هذه جهنم التي كنتم توعدون» بها.
ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
«اصلوْها اليوم بما كنتم تكفرون».
ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ
(اليوم نختم على أفواههم) أي الكفار لقولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) وغيرها (بما كانوا يكسبون) فكل عضو ينطق بما صدر منه.
وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ
«ولو نشاء لطمسنا على أعينهم» لأعميناها طمسا «فاستَبَقُوا» ابتدروا «الصراط» الطريق ذاهبين كعادتهم «فأنَّا» فكيف «يبصرون» حينئذ؟ أي لا يبصرون.
وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ
«ولو نشاء لمسخناهم» قردة وخنازير أو حجارة «على مكانتهم» وفي قراءة مكاناتهم جمع مكانة بمعنى مكان أي في منازلهم «فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون» أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء.
وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ
«ومن نعمِّره» بإطالة أجله «نَنْكُسْهُ» وفي قراءة بالتشديد من التنكيس «في الخلق» فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفا وهرما «أفلا يعقلون» أن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وفي قراءة بالتاء.
وَمَا عَلَّمْنَٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ
«وما علمناه» أي النبي «الشعر» رد لقولهم إن ما أتى به من القرآن شعر «وما ينبغي» يسهل «له» الشعر «إن هو» ليس الذي أتى به «إلا ذكر» عظة «وقرآن مبين» مظهر للأحكام وغيرها.
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ
«لينذر» بالياء والتاء به «من كان حيا» يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون «ويحق القول» بالعذاب «على الكافرين» وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به.
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَٰلِكُونَ
«أوَ لم يروْا» يعلموا والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليه للعطف «أنا خلقنا لهم» في جملة الناس «مما عملت أيدينا» عملناه بلا شريك ولا معين «أنعاما» هي الإبل والبقر والغنم «فهم لها مالكون» ضابطون.
وَذَلَّلْنَٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ
«وذللناها» سخرناها «لهم فمنها ركوبهم» مركوبهم «ومنها يأكلون».
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
«ولهم فيها منافع» كأصوافها وأوبارها وأشعارها «ومشارب» من لبنها جمع مشرب بمعنى شِرْب أو موضعه «أفلا يشكرون» المنعم عليهم بها فيؤمنون أي ما فعلوا ذلك.
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ
«واتخذوا من دون الله» أي غيره «آلهة» أصناما يعبدونها «لعلهم يُنصرون» يمنعون من عذاب الله تعالى بشفاعة آلهتهم بزعمهم.
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ
«لا يستطيعون» أي آلهتهم، نزلوا منزلة العقلاء «نصرهم وهم» أي آلهتهم من الأصنام «لهم جندٌ» بزعمهم نصرهم «محضرون» في النار معهم.
فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
«فلا يحزنك قولهم» لك: لست مرسلا وغير ذلك «إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون» من ذلك وغيره فنجازيهم عليه.
أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ
«أوَ لم يرَ الإنسان» يعلم، وهو العاصي بن وائل «أنَّا خلقناه من نطفة» منيِّ إلى أن صيَّرناه شديدا قويا «فإذا هو خصيم» شديد الخصومة لنا «مبينٌ» بيِّنها في نفي البعث.
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ
(وضرب لنا مثلا) في ذلك (ونسي خلقه) من المني وهو أغرب من مثله (قال من يحيي العظام وهي رميم) أي بالية ولم يقل رميمة بالتاء لأنه اسم لا صفة، وروي أنه أخذ عظما رميما ففتته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أترى يحيي الله هذا بعد ما بلي ورم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم ويدخلك النار".
قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
«قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق» مخلوق «عليم» مجملا ومفصلا قبل خلقه وبعد خلقه.
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ
«الذي جعل لكم» في جملة الناس «من الشجر الأخضر» المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب «نارا فإذا أنتم منه توقدون» تقدحون وهذا دال على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفأ النار، ولا النار تحرق الخشب.
أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ
«أوَ ليس الذي خلق السماوات والأرض» مع عظمهما «بقادر على أن يخلق مثلهم» أي الأناسي في الصغر «بلى» أي هو قادر على ذلك أجاب نفسه «وهو الخلاًق» الكثير الخلق «العليم» بكل شيء.
إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ
«إنما أمره» شأنه «إذا أراد شيئا» أي خلق شيء «أن يقول له كن فيكونُ» أي فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفا على يقول.
فَسُبْحَٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
«فسبحان الذي بيده ملكوت» مُلك زيدت الواو والتاء للمبالغة، أي القدرة على «كل شيء وإليه ترجعون» تردُّون في الآخرة.

Surah 37: As-Saffat — الصافات

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّۭا
«والصافات صفّا» الملائكة تصف نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به.
فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا
«فالزاجرات زجرا» الملائكة تزجر السحاب أي تسوقه.
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا
«فالتاليات» أي قراء القرآن يتلونه «ذكرا» مصدر من معنى التاليات.
إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ
«إن إلهكم» يا أهل مكة «لواحد».
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَٰرِقِ
«ربُّ السماوات والأرض وما بينهما وربُّ المشارق» أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب.
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ
«إنَّا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب» أي بضوئها أو بها، والإضافة للبيان كقراءة تنوين زينة المبينة بالكواكب.
وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ مَّارِدٍۢ
«وحفظا» منصوب بفعل مقدر: أي حفظناها بالشهب «من كل» متعلق بالمقدر «شيطان مارد» عاتٍ خارج عن الطاعة.
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ
«لا يسمعون» أي الشياطين مستأنف، وسماعهم هو في المعنى المحفوظ عنه «إلى الملأ الأعلى» الملائكة في السماء، وعدِّي السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء وفي قراءة بتشديد الميم والسين أصله يتسمعون أدغمت التاء في السين «ويقذفون» أي الشياطين بالشهب «من كل جانب» من آفاق السماء.
دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ
«دُحُورا» مصدر دحره: أي طرده وأبعده وهو مفعول له «ولهم» في الآخرة «عذاب واصب» دائم.
إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ
«إلا من خطف الخطفة» مصدر: أي المرة، والاستثناء من ضمير يسمعون: أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعة «فأتبعه شهاب» كوكب مضيء «ثاقب» يثقبه أو يحرقه أو يخبله.
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ
«فاستفتهم» استخبر كفار مكة تقريرا أو توبيخا «أهم أشد خلقا أم من خلقنا» من الملائكة والسماوات والأرضين وما فيهما وفي الإتيان بمن تغليب العقلاء «إنا خلقناهم» أي أصلهم آدم «من طين لازب» لازم يلصق باليد: المعنى أن خلقهم ضعيف فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن المؤدي إلى هلاكهم اليسير.
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
«بل» للانتقال من غرض إلى آخر وهو الإخبار بحاله وحالهم «عجبتَ» بفتح التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، أي من تكذيبهم إياك «و» هم «يسخرون» من تعجبك.
وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ
«وإذا ذكروا» وعظوا بالقرآن «لا يذكرون» لا يتعظون.
وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ
«وإذا رأوْا آية» كانشقاق القمر «يستسخرون» يستهزئُون بها.
وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ
«وقالوا» فيها «إن» ما «هذا إلا سحر مبين» بيّن وقالوا منكرين للبعث.
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
«أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون» في الهمزتين في الموضوعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين.
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ
«أوْ آباؤنا الأولون» بسكون الواو عطفا بأو، وبفتحها والهمزة للاستفهام والعطف بالواو والمعطوف عليه محل إن واسمها أو الضمير في لمبعوثون والفاصل همزة الاستفهام.
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ
«قل نعم» تبعثون «وأنتم داخرون» أي صاغرون.
فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ
«فإنما هي» ضمير مبهم يفسره «زجرة» أي صيحة «واحدة فإذا هم» أي الخلائق أحياء «ينظرون» ما يفعل بهم.
وَقَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ
«وقالوا» أي الكفار «يا» للتنبيه «ويْلنا» هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه وتقول لهم الملائكة: «هذا يوم الدين» يوم الحساب والجزاء.
هَٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ
«هذا يوم الفصل» بين الخلائق «الذي كنتم به تكذبون» ويقال للملائكة.
۞ ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ
«أُحشروا الذين ظلموا» أنفسهم بالشرك «وأزواجهم» قرناءهم من الشياطين «وما كانوا يعبدون».
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ
«من دون الله» أي غيره من الأوثان «فاهدوهم» دلوهم وسوقوهم «إلى صراط الجحيم» طريق النار.
وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ
«وقفوهم» احبسوهم عن الصراط «إنهم مسئولون» عن جميع أقوالهم، ويقال لهم توبيخا.
مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ
«ما لكم لا تناصرون» لا ينصر بعضكم بعضا كحالكم في الدنيا ويقال لهم.
بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
«بل هم اليوم مستسلمون» منقادون أذلاء.
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ
«وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» يتلاومون ويتخاصمون.
قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ
«قالوا» أي الأتباع منهم للمتبوعين «إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين» عن الجهة التي كنا نأمنكم منها لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم، المعنى أنكم أضللتمونا.
قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ
«قالوا» أي المتبعون لهم «بل لم تكونوا مؤمنين» وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا.
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَٰغِينَ
«وما كان لنا عليكم من سلطان» قوة وقدرة تقهركم على متابعتنا «بل كنتم قوما طاغين» ضالين مثلنا.
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ
(فحق) وجب (علينا) جميعا (قول ربنا) بالعذاب: أي قوله "" لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين "" (إنا) جميعا (لذائقون) العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم.
فَأَغْوَيْنَٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ
«فأغويناكم» المعلل بقولهم «إنا كنا غاوين».
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
قال تعالى «فإنهم يومئذ» يوم القيامة «في العذاب مشتركون» أي لاشتراكهم في الغواية.
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ
«إنا كذلك» كما نفعل بهؤلاء «نفعل بالمجرمين» غير هؤلاء: أي نعذبهم التابع منهم والمتبوع.
إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
«إنهم» أي هؤلاء بقرينة ما بعده «كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون».
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ
«ويقولون أئنا» في همزتيه ما تقدم «لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون» أي لأجل محمد.
بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ
قال تعالى: «بل جاء بالحق وصدَّق المرسلين» الجائين به، وهو أن لا إله إلا الله.
إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ
«إنكم» فيه التفات «لذائقوا العذاب الأليم».
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
«وما تجزوْن إلا» جزاء «ما كنتم تعملون».
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
«إلا عباد الله المخلصين» أي المؤمنين استثناء منقطع، أي ذكر جزائهم في قوله.
أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ
«أولئك لهم» في الجنة «رزق معلوم» بكرة وعشيا.
فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ
«فواكه» بدل أو بيان للرزق وهو ما يؤكل تلذذا لحفظ صحة لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظها بخلق أجسامهم للأبد «وهم مكرمون» بثواب الله سبحانه وتعالى.
فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ
«في جنات النعيم».
عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ
«على سرر متقابلين» لا يرى بعضهم قفا بعض.
يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ
«يطاف عليهم» على كل منهم «بكأس» هو الإناء بشرابه «من معين» من خمر يجري على وجه الأرض كأنهار الماء.
بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّٰرِبِينَ
«بيضاء» أشد بياضا من اللبن «لذة» لذيذة «للشاربين» بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب.
لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
«لا فيها غول» ما يغتال عقولهم «ولا هم عنها ينزَِفون» بفتح الزاي وكسرها من نزف الشارب وأنزف: أي يسكرون بخلاف خمر الدنيا.
وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ
«وعندهم قاصرات الطرْف» حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن «عين» ضخام الأعين حسانها.
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ
«كأنهن» في اللون «بيض» للنعام «مكنون» مستور بريشه لا يصل إليه غبار، ولونه وهو البياض في صفرة، أحسن ألوان النساء.
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ
«فأقبل بعضهم» بعض أهل الجنة «على بعض يتساءلون» عما مر بهم في الدنيا.
قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ
«قال قائل منهم إني كان لي قرين» صاحب ينكر البعث.
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ
«يقول» لي تبكيتا «أئنك لمن المصدقين» بالبعث.
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ
«أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا» في الهمزتين في الثلاثة مواضع ما تقدم «لمدينون» مجزيون ومحاسبون؟ أنكر ذلك أيضا.
قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ
«قال» ذلك القائل لإخوانه: «هل أنتم مطلعون» معي إلى النار لننظر حاله؟ فيقولون: لا.
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
«فاطلع» ذلك القائلون من بعض كوى الجنة «فرآه» أي رأى قرينه «في سواء الجحيم» في وسط النار.
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ
«قال» له تشميتا «تالله إن» مخففة من الثقيلة «كدت» قاربت «لتردين» لتهلكني بإغوائك.
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ
«ولو لا نعمة ربي» عليَّ بالإيمان «لكنت من المحضرين» معك في النار وتقول أهل الجنة.
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
«أفما نحن بميتين».
إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
«إلا موتتنا الأولى» أي التي في الدنيا «وما نحن بمعذبين» هو استفهام تلذذ وتحدُّث بنعمة الله تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب.
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
«إن هذا» الذي ذكرت لأهل الجنة «لهو الفوز العظيم».
لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ
«لمثل هذا فليعمل العاملون» قيل يقال لهم ذلك، وقيل هم يقولونه.
أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ
«أذلك» المذكور لهم «خير نزلا» وهو ما يعدّ للنازل من ضيف وغيره «أم شجرة الزقوم» المعدة لأهل النار وهي من أخبث الشجر المرّ بتهامة ينبتها الله في الجحيم كما سيأتي.
إِنَّا جَعَلْنَٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّٰلِمِينَ
«إنا جعلناها» بذلك «فتنة للظالمين» أي الكافرين من أهل مكة، إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته.
إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ
«إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم» أي قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ
«طلعها» المشبه بطلع النخل «كأنه رءوس الشياطين» الحيات القبيحة المنظر.
فَإِنَّهُمْ لَءَاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
«فإنهم» أي الكفار «لآكلون منها» مع قبحها لشدة جوعهم «فمالئون منها البطون».
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ
«ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم» أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبا له.
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ
«ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم» يفيد أنهم يخرجون منها لشرب الحميم وأنه خارجها.
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ
«إنهم ألفوْا» وجدوا «آباءهم ضالين».
فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ
«فهم على آثارهم يُهرعون» يزعجون إلى اتباعهم فيسرعون إليه.
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ
«ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين» من الأمم الماضية.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ
«ولقد أرسلنا فيهم منذرين» من الرسل مخوِّفين.
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ
«فانظر كيف كان عاقبة المنذَرين» الكافرين: أي عاقبتهم العذاب.
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
«إلا عباد الله المخلصين» أي المؤمنين فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة، أو لأن الله أخلصهم لها على قراءة فتح اللام.
وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ
(ولقد نادانا نوح) بقوله "" رب إني مغلوب فانتصر "" (فلنعم المجيبون) له نحن: أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق.
وَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
«ونجيناه وأهله من الكرب العظيم» أي الغرق.
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ
«وجعلنا ذريته هم الباقين» فالناس كلهم من نسله وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب والفرس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث وهو أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك.
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْءَاخِرِينَ
«وتركنا» أبقينا «عليه» ثناء حسنا «في الآخرين» من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة.
سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَٰلَمِينَ
«سلام» منا «على نوح في العالمين».
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ
«إنا كذلك» كما جزيناهم «نجزي المحسنين».
إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
«إنه من عبادنا المؤمنين».
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْءَاخَرِينَ
«ثم أغرقنا الآخرين» كفار قومه.
۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ
«وإن من شيعته» أي ممن تابعه في أصل الدين «لإبراهيم» وإن طال الزمان بينهما وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة وكان بينهما هود وصالح.
إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ
«إذ جاء ربهَّ» أي تابعه وقت مجيئه «بقلب سليم» من الشك وغيره.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ
«إذ قال» في هذه الحالة المستمرة له «لأبيه وقومه» موبخا «ماذا» ما الذي «تعبدون».
أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ
«أئفكا» في همزتيه ما تقدم «آلهة دون الله تريدون» وإفكا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون والإفك: أسوأ الكذب، أي أتعبدون غير الله؟.
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
«فما ظنكم برب العالمين» إذ عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب؟ لا، وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد: اخرج معنا.
فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ
«فنظر نظرة في النجوم» إيهاما لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه.
فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ
«فقال إني سقيم» عليل أي سأسقم.
فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ
«فتولوا عنه» إلى عيدهم «مدبرين».
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ
«فراغ» مال في خفية «إلى آلهتهم» وهي الأصنام وعندها الطعام «فقال» استهزاءً «ألا تأكلون» فلم ينطقوا.
مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ
فقال «ما لكم لا تنطقون» فلم يجب.
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ
«فراغ عليهم ضربا باليمين» بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه.
فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ
«فأقبلوا إليه يزفون» أي يسرعون المشي فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها.
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ
«قال» لهم موبخا «أتعبدون ما تنحتون» من الحجارة وغيرها أصناما.
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
«والله خلقكم وما تعملون» من نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده، وما مصدرية وقيل موصولة وقيل موصوفة.
قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ
«قالوا» بينهم «ابنوا له بنيانا» فاملئوه حطبا وأضرموه بالنار فإذا التهب «فألقوه في الجحيم» النار الشديدة.
فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ
«فأرادوا به كيدا» بإلقائه في النار لتهلكه «فجعلناهم الأسفلين» المقهورين فخرج من النار سالما.
وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ
«وقال إني ذاهب إلى ربي» مهاجر إليه من دار الكفر «سيهدين» إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال.
رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ
«رب هب لي» ولدا «من الصالحين».
فَبَشَّرْنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٍۢ
«فبشرناه بغلام حليم» أي ذي حلم كثير.
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ
«فلما بلغ معه السعي» أي أن يسعى معه ويعينه قيل بلغ سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة «قال يا بنيَّ إني أرى» أي رأيت «في المنام أني أذبحك» ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر الله تعالى «فانظر ماذا ترى» من الرأي شاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به «قال يا أبت» التاء عوض عن ياء الإضافة «افعل ما تؤمر» به «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» على ذلك.
فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ
«فلما أسلما» خضعا وانقادا لأمر الله تعالى «وتله للجبين» صرعه عليه، ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة وكان ذلك بمنى، وأمرَّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئا بمانع من القدرة الإلهية.
وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ
«وناديناه أن يا إبراهيم».
قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ
«قد صدقت الرؤيا» بما أتيت به مما أمكنك من أمر الذبح: أي يكفيك ذلك فجملة ناديناه جواب لما بزيادة الواو «إنا كذلك» كما جزيناك «نجزي المحسنين» لأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم.
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ
«إن هذا» الذبح المأمور به «لهو البلاء المبين» أي الاختبار الظاهر.
وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ
«وفديناه» أي المأمور بذبحه، وهو إسماعيل أو إسحاق قولان «بذبح» بكبش «عظيم» من الجنة وهو الذي قربه هابيل جاء به جبريل عليه السلام فذبحه السيد إبراهيم مكبرا.
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْءَاخِرِينَ
«وتركنا» أبقينا «عليه في الآخرين» ثناءً حسنا.
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ
«سلام» منا «على إبراهيم».
كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ
«كذلك» كما جزيناه «نجزي المحسنين» لأنفسهم.
إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
«إنه من عبادنا المؤمنين».
وَبَشَّرْنَٰهُ بِإِسْحَٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ
«وبشرناه بإسحاق» استدلَّ بذلك على أن الذبح غيره «نبيا» حال مقدرة: أي يوجد مقدرا نبوته «من الصالحين».
وَبَٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ
«وباركنا عليه» بكثير ذريته «وعلى إسحاق» ولده بجعلنا أكثر الأنبياء من نسله «ومن ذريتهما محسن» مؤمن «وظالم لنفسه» كافر «مبين» بيَّن الكفر.
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ
«ولقد مننا على موسى وهارون» بالنبوة.
وَنَجَّيْنَٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
«ونجيناهما وقومهما» بني إسرائيل «من الكرب العظيم» أي استعباد فرعون إياهم.
وَنَصَرْنَٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ
«ونصرناهم» على القبط «فكانوا هم الغالبين».
وَءَاتَيْنَٰهُمَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ
«وآتيناهما الكتاب المستبين» البليغ البيان فيما أتى به من الحدود والأحكام وغيرها وهو التوراة.
وَهَدَيْنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
«وهديناهما الصراط» الطريق «المستقيم».
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْءَاخِرِينَ
«وتركنا» أبقينا «عليهما في الآخرين» ثناءً حسنا.
سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ
«سلام» منا «على موسى وهارون».
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ
«إنا كذلك» كما جزيناهما «نجزي المحسنين».
إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
«إنهما من عبادنا المؤمنين».
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
«وإن إلياس» بالهمزة أوله وتركه «لمن المرسلين» قيل هو ابن أخي هارون أخي موسى، وقيل غيره أرسل إلى قوم ببعلبك ونواحيها.
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ
«إذ» منصوب باذكر مقدرا «قال لقومه ألا تتقون» الله.
أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَٰلِقِينَ
«أتدعون بعلا» اسم صنم لهم من ذهب، وبه سمي البلد أيضا مضافا إلى بك: أي أتعبدونه «وتذرون» تتركون «أحسن الخالقين» فلا تعبدونه.
ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ
«اللهُ ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين» برفع الثلاثة على إضمار هو، وبنصبها على البدل من أحسن.
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
«فكذبوه فإنهم لمحضرون» في النار.
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
«إلا عباد الله المخلصين» أي المؤمنين منهم فإنهم نجوا منها.
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْءَاخِرِينَ
«وتركنا عليه في الآخرين» ثناءً حسنا.
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ
«سلام» منا «على إلْ ياسين» قيل هو إلياس المتقدم ذكره، وقيل هو ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا كقولهم للمهلب وقومه المهلبون وعلى قراءة آل ياسين بالمد، أي أهله المراد به إلياس أيضا.
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ
«إنا كذلك» كما جزيناه «نجزي المحسنين».
إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
«إنه من عبادنا المؤمنين».
وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
«وإن لوطا لمن المرسلين».
إِذْ نَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ
اذكر «إذ نجيناه وأهله أجمعين».
إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَٰبِرِينَ
«إلا عجوزا في الغابرين» أي الباقين في العذاب.
ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْءَاخَرِينَ
«ثم دمرنا» أهلكنا «الآخرين» كفار قومه.
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ
«وإنكم لتمرون عليهم» على آثارهم ومنازلهم في أسفاركم «مصبحين» أي وقت الصباح يعني بالنهار.
وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
«وبالليل أفلا تعقلون» يا أهل مكة ما حل بهم فتعتبرون به.
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
«وإن يونس لمن المرسلين».
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
«إذْ أبق» هرب «إلى الفلك المشحون» السفينة المملوءة حين غاضب قومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به فركب السفينة فوقفت في لجة البحر، فقال الملاحون هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة.
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ
«فساهم» قارع أهل السفينة «فكان من المدحضين» المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر.
فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ
«فالتقمه الحوت» ابتلعه «وهو مليم» أي آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه.
فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ
(فلولا أنه كان من المسبحين) الذاكرين بقوله كثيرا في بطن الحوت "" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "".
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
«للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة.
۞ فَنَبَذْنَٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌۭ
«فنبذناه» أي ألقيناه من بطن الحوت «بالعراء» بوجه الأرض: أي بالساحل من يومه أو بعد ثلاثة أو سبعة أيام أو عشرين أو أربعين يوما «وهو سقيم» العليل كالفرخ الممعط.
وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ
«وأنبتنا عليه شجرة من يقطين» وهي القرع تظله بساق على خلاف العادة في القرع معجزة له، وكانت تأتيه وعلة صباحا ومساء يشرب من لبنها حتى قوي.
وَأَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
«وأرسلناه» بعد ذلك كقبله إلى قوم بنينوى من أرض الموصل «إلى مائة ألف أو» بل «يزيدون» عشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفا.
فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ
«فآمنوا» عند معاينة العذاب الموعودين به «فمتعناهم» أبقيناهم ممتعين بمالهم «إلى حين» تنقضي آجالهم فيه.
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ
«فاستفتهم» استخبر كفار مكة توبيخا لهم «ألربك البنات» بزعمهم أن الملائكة بنات الله «ولهم البنون» فيختصون بالأسنى.
أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثًۭا وَهُمْ شَٰهِدُونَ
«أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون» خلقنا فيقولون ذلك.
أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
«ألا أنهم من إفكهم» كذبهم «ليقولون» بقولهم الملائكة بنات الله.
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ
«ولد الله» بقولهم الملائكة بنات الله «وإنهم لكاذبون» فيه.
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ
«أصطفى» بفتح الهمزة للاستفهام واستغني بها عن همزة الوصل فحذفت، أي أختار «البنات على البنين».
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
«ما لكم كيف تحكمون» هذا الحكم الفاسد.
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
«أفلا تذَّكرون» بإدغام التاء في الذال، أنه سبحانه وتعالى منزه عن الولد.
أَمْ لَكُمْ سُلْطَٰنٌۭ مُّبِينٌۭ
«أم لكم سلطان مبين» حجة واضحة أن لله ولدا.
فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
«فأتوا بكتابكم» التوراة فأروني ذلك فيه «إن كنتم صادقين» في قولكم ذلك.
وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
«وجعلوا» أي المشركون «بينه» تعالى «وبين الجنة» أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار «نسبا» بقولهم إنها بنات الله «ولقد علمت الجنَّة إنهم» أي قائلي ذلك «لمحضرون» للنار يعذبون فيها.
سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
«سبحان الله» تنزيها له «عما يصفون» بأن لله ولدا.
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
«إلا عباد الله المخلصين» أي المؤمنين استثناء منقطع أي فإنهم ينزهون الله تعالى عما يصفه هؤلاء.
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
«فإنكم وما تعبدون» من الأصنام.
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَٰتِنِينَ
«ما أنتم عليه» أي على معبودكم عليه متعلق بقوله «بفاتنين» أي أحدا.
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ
«إلا من هو صال الجحيم» في علم الله تعالى.
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ
قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم «وما منا» معشر الملائكة أحد «إلا له مقام معلوم» في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه.
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ
«وإنا لنحن الصَّافون» أقدامنا في الصلاة.
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ
«وإنا لنحن المسبحون» المنزهون الله عما لا يليق به.
وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ
«وإن» مخففة من الثقيلة «كانوا» أي كفار مكة «ليقولون».
لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ
«لو أن عندنا ذكرا» كتابا «من الأولين» أي من كتب الأمم الماضية.
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
«لكنا عباد الله المخلصين» العابدة له.
فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
قال تعالى: «فكفروا به» بالكتاب الذي جاءهم وهو القرآن الأشرف من ذلك الكتب «فسوف يعلمون» عاقبة كفرهم.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ
(ولقد سبقت كلمتنا) بالنصر (لعبادنا المرسلين) وهي "" لأغلبن أنا ورسلي "".
إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ
أو هي قوله «إنهم لهم المنصورون».
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ
«وإن جندنا» أي المؤمنين «لهم الغالبون» الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ
«فتول عنهم» أي أعرض عن كفار مكة «حتى حين» تؤمر فيه بقتالهم.
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
«وأبصرهم» إذ نزل بهم العذاب «فسوف يبصرون» عاقبة كفرهم.
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب؟ قال تعالى تهديدا لهم: «أفبعذابنا يستعجلون».
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ
«فإذا نزل بساحتهم» بفنائهم قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم «فَساء» بئس صباحا «صباح المنذَرين» فيه إقامة الظاهر مقام المضمر.
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ
«وتول عنهم حتى حين».
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
«وأبصر فسوف يبصرون» كرر تأكيدا لتهديدهم وتسلية له صلى الله عليه وسلم.
سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
«سبحان ربك رب العزة» الغلبة «عما يصفون» بأن له ولدا.
وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ
«وسلام على المرسلين» المبلغين عن الله التوحيد والشرائع.
وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
«والحمد لله رب العالمين» على نصرهم وهلاك الكافرين.

Surah 38: Sad — ص

صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ
«ص» الله أعلم بمراده به «والقرآن ذي الذكر» أي البيان أو الشرف، وجواب هذا القسم محذوف: أي ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة.
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ
«بل الذين كفروا» من أهل مكة «في عزة» حمية وتكبر عن الإيمان «وشقاق» خلاف وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم.
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ
«كم» أي كثيرا «أهلكنا من قبلهم من قرنِ» أي أمة من الأمم الماضية «فنادوْا» حين نزول العذاب بهم «ولاتَ حين مناص» أي ليس حين فرار والتاء زائدة، والجملة حال من فاعل نادوا، أي استغاثوا، والحال أن لا مهرب ولا منجى وما اعتبر بهم كفار مكة.
وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌۭ كَذَّابٌ
«وعجبوا أن جاءهم منذر منهم» رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم النار بعد البعث وهو النبي * صلى الله عليه وسلم «وقال الكافرون» فيه وضع الظاهر موضع المضمر «هذا ساحر كذاب».
أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ
«أجعل الآلهة إلها واحدا» حيث قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد «إن هذا لشيء عجاب» أي عجيب.
وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ
«وانطلق الملأ منهم» من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: لا إله إلا الله «أن امشوا» يقول بعضهم لبعض امشوا «واصبروا على آلهتكم» اثبتوا على عبادتها «إن هذا» المذكور من التوحيد «لشيء يراد» منا.
مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْءَاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ
«ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة» أي ملة عيسى «إن» ما «هذا إلا اختلاق» كذب.
أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ
«أَأُنزل» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه «عليه» على محمد «الذكر» أي القرآن «من بيننا» وليس بأكبرنا ولا أشرفنا: أي لم ينزل عليه، قال تعالى: «بل هم في شك من ذكري» وحْيي أي القرآن حيث كذبوا الجائي به «بل لما» لم «يذوقوا عذاب» ولو ذاقوه لصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ.
أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ
«أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز» الغالب «الوهاب» من النبوَّة وغيرها فيعطونها من شاءوا.
أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَٰبِ
«أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما» إن زعموا ذلك «فليرتقوا في الأسباب» الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاءوا، وأمْ في الموضعين بمعنى همزة الإنكار.
جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ
«جند ما» أي هم جند حقير «هنالك» في تكذيبهم لك «مهزوم» صفة جند «من الأحزاب» صفة جند أيضا: أي كالأجناد من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك وأولئك قد قهروا وأهلكوا فكذا نهلك هؤلاء.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ
«كذبت قبلهم قوم نوح» تأنيث قوم باعتبار المعنى «وعاد وفرعون ذو الأوتاد» كان يتد لكل من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه.
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍۢ وَأَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ
«وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة» أي الغيضة، وهم قوم شعيب عليه السلام «أولئك الأحزاب».
إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ
«إن» ما «كل» من الأحزاب «إلا كذب الرسل» لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة، وهي دعوة التوحيد «فحق» وجب «عقاب».
وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ
«وما ينظر» ينتظر «هؤلاء» أي كفار مكة «إلا صيحة واحدة» هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب «ما لها من فواق» بفتح الفاء وضمها: رجوع.
وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ
«وقالوا» لما نزل (فأما من أوتي كتابه بيمينه) الخ «ربنا عجل لنا قطنا» أي كتاب أعمالنا «قبل يوم الحساب» قالوا ذلك استهزاء.
ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ
قال تعالى: «اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد» أي القوة في العبادة كان يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم سدسه «إنه أوَّاب» رجّاع إلى مرضاة الله.
إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ
«إنا سخرنا الجبال معه يسبحن» بتسبيحه «بالعشيّ» وقت صلاة العشاء «والإشراق» وقت صلاة الضحى وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءُها.
وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ
«و» سخرنا «الطير محشورة» مجموعة إليه تسبح معه «كل» من الجبال والطير «له أوَّاب» رجّاع إلى طاعته بالتسبيح.
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ
«وشددنا ملكه» قوَّيناه بالجرس والجنود وكان يحرس محرابه في كل ليلة ثلاثون ألف رجل «وآتيناه الحكمة» النبوة والإصابة في الأمور «وفصل الخطاب» البيان الشافي في كل قصد.
۞ وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ
«وهل» معنى الاستفهام هنا التعجيب والتشويق إلى استماع ما بعده «أتاك» يا محمد «نبأ الخصم إذ تسوَّروا المحراب» محراب داود: أي مسجده حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة، أي خبرهم وقصتهم.
إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ
«إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف» نحن «خصمان» قيل فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجمع، وقيل اثنان والضمير بمعناهما، والخصم يطلق على الواحد وأكثر، وهما ملكان جاءا في صورة خصمين وقع لهما ما ذكر على سبيل الغرض لتنبيه داود عليه السلام على ما وقع منه وكان له تسع وتسعون امرأة وطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوجها ودخل بها «بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط» تَجُرْ «واهدنا» أرشدنا «إلى سواء الصراط» وسط الطريق الصواب.
إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ
«إن هذا أخي» أي على ديني «له تسع وتسعون نعجة» يعبر بها عن المرأة «وليَ نعجة واحدة فقال أكفلنيها» أي اجعلني كافلها «وعزني» غلبني «في الخطاب» أي الدال، وأقره الآخر على ذلك.
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًۭا وَأَنَابَ ۩
«قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك» ليضمها «إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء» الشركاء «ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم» ما لتأكيد القلة فقال الملكان صاعدين في صورتيهما إلى السماء: قضى الرجل على نفسه فتنبه داود قال تعالى: «وظن» أي أيقن «داود أنما فتناه» أوقعناه في فتنة أي بلية بمحبته تلك المرأة «فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعا» أي ساجدا «وأناب».
فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ
«فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى» أي زيادة خير في الدنيا «وحسن مآب» مرجع في الآخرة.
يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ
«يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض» تدبر أمر الناس «فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى» أي هوى النفس «فيضلك عن سبيل الله» أي عن الدلائل الدالة على توحيده «إن الذين يضلون عن سبيل الله» أي عن الإيمان بالله «لهم عذاب شديد بما نسوا» بنسيانهم «يوم الحساب» المرتب عليه تركهم الإيمان، وقالوا أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا.
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًۭا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ
«وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا» عبثا «ذلك» أي خلق ما ذكر لا لشيء «ظن الذين كفروا» من أهل مكة «فويل» وادِ «للذين كفروا من النار».
أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ
«أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار» نزل لما قال كفار مكة للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون، وأم بمعنى همزة الإنكار.
كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ
«كتاب» خبر مبتدأ محذوف أي هذا «أنزلناه إليك مبارك ليدَّبروا» أصله يتدبروا أدغمت التاء في الدال «آياته» ينظروا في معانيها فيؤمنوا «وليتذكر» يتعظ «أولوا الألباب» أصحاب العقول.
وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ
«ووهبنا لداود سلمان» ابنه «نعم العبد» أي سليمان «إنه أوَّاب» رجّاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات.
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ
«إذ عرض عليه بالعشي» هو ما بعد الزوال «الصافنات» الخيل جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث وإقامة الأخرى على طرف الحافر وهو من صفن يصفن صفونا «الجياد» الخيل جمع جواد وهو السابق، المعنى أنها إذا استوقفت سكنت وإن ركضت سبقت وكانت ألف فرس عرضت عليه بعد ان صلى الظهر لإرادته الجهاد عليها لعدو فعند بلوغ العرض منها تسعمائة غربت الشمس ولم يكن صلى العصر فاغتم.
فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ
«فقال إني أحببت» أي أردت «حب الخير» أي الخيل «عن ذكر ربي» أي صلاة العصر «حتى توارت» أي الشمس «بالحجاب» أي استترت بما يحجبها عن الأبصار.
رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ
«ردُّوها عليَّ» أي الخيل المعروضة فردوها «فطفق مسحا» بالسيف «بالسوق» جمع ساق «والأعناق» أي ذبحها وقطع أرجلها تقربا إلى الله تعالى حيث اشتغل بها عن الصلاة بلحمها فعوضه الله خيرا منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء.
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ
«ولقد فتنا سليمان» ابتليناه بسلب ملكه وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه وكان ملكه في خاتمه فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها «وألقينا على كرسيه جسدا» هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس أنا سليمان فأنكره «ثم أناب» رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه.
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
«قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي» لا يكون «لأحد من بعدي» أي سواي نحو (فمن يهديه من بعد الله) أي سوى الله «إنك أنت الوهاب».
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
«فسخرنا له الريح تجري بأمره رُخاء» لينة «حيث أصاب» أراد.
وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ وَغَوَّاصٍۢ
«والشياطين كل بناءٍ» يبني الأبنية العجيبة «وغوَّاص» في البحر يستخرج اللؤلؤ.
وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ
«وآخرين» منهم «مقرنين» مشدودين «في الأصفاد» القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم.
هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ
وقلنا له «هذا عطاؤنا فامنن» أعط منه من شئت «أو أمسك» عن الإعطاء «بغير حساب» أي لا حساب عليك في ذلك.
وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ
«وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب» تقدم مثله.
وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ
«واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني» أي بأني «مسنيَ الشيطان بنصب» ضر «وعذاب» ألم، ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدبا معه تعالى.
ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ
وقيل له «اركض» اضرب «برجلك» الأرض فضرب فنبعت عين ماء فقيل: «هذا مغتسل» ماء تغتسل به «بارد وشراب» تشرب منه، فاغتسل وشرب فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره.
وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ
«ووهبنا له أهله ومثلهم معهم» أي أحيا الله له من مات من أولاده ورزقه مثلهم «رحمة» نعمة «منا وذكرى» عظة «لأولي الألباب» لأصحاب العقول.
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ
«وخذ بيدك ضغثا» هو حزمة من حشيش أو قضبان «فاضرب به» زوجتك وكان قد حلف ليضربها مائة ضربة لإبطائها عليه يوما «ولا تحنث» بترك ضربها فأخذ مائة عود من الإذخر أو غيره فضربها به ضربة واحدة «إنا وجدناه صابرا نعم العبد» أيوب «إنه أوَّاب» رجّاع إلى الله تعالى.
وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ
«واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدى» أصحاب القوى في العبادة «والأبصار» البصائر في الدين، وفي قراءة عبدنا وإبراهيم بيان له وما بعده عطف على عبدنا.
إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ
«إنا أخلصناهم بخالصة» هي «ذكرى الدار» الآخرة، أي ذكرها والعمل لها، وفي قراءة بالإضافة وهي للبيان.
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ
«وإنهم عندنا لمن المصطفين» المختارين «الأخيار» جمع خيّر بالتشديد.
وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ
«واذكر إسماعيل واليسع» وهو نبيّ واللام زائدة «وذا الكفل» اختلف في نبوَّته، قيل كفل مائة نبي فروا إليه من القتل «وكل» أي كلهم «من الأخيار» جمع خيّر بالتثقيل.
هَٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ
«هذا ذكر» لهم بالثناء الجميل هنا «وإن للمتقين» الشاملين لهم «لحسن مآب» مرجع في الآخرة.
جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ
«جنات عدن» بدل أو عطف بيان لحسن مآب «مفتتحة لهم الأبواب» منها.
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ
«متكئين فيها» على الأرائك «يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب».
۞ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ
«وعندهم قاصرات الطرف» حابسات العين على أزواجهن «أتراب» أسنانهن واحدة وهن بنات ثلاث وثلاثين سنة جمع ترب.
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ
«هذا» المذكور «ما يوعدون» بالغيبة وبالخطاب التفافا «ليوم الحساب» أي لأجله.
إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ
«إن هذا لرزقنا ما له من نفاد» أي انقطاع والجملة حال من رزقنا أو خبر ثان لإن، أي دائما أو دائم.
هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ
«هذا» المذكور للمؤمنين «وإن للطاغين» مستأنف «لشر مآب».
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
«جهنم يصلونها» يدخلونها «فبئس المهاد» الفراش.
هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ
«هذا» أي العذاب المفهوم مما بعده «فليذوقوه حميم» أي ماء حار محرق «وغسَّاق» بالتخفيف والتشديد: ما يسيل من صديد أهل النار.
وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ
«وآخر» بالجمع والإفراد «من شكله» أي مثل المذكور من الحميم والغساق «أزواج» أصناف، أي عذابهم من أنواع مختلفة.
هَٰذَا فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ
ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم «هذا فوج» جمع «مقتحم» داخل «معكم» النار بشدة فيقول المتبعون «لا مرحبا بهم» أي لا سعة عليهم «إنهم صالوا النار».
قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ
«قالوا» أي الأتباع «بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه» أي الكفر «لنا فبئس القرار» لنا ولكم النار.
قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا فِى ٱلنَّارِ
«قالوا» أيضا «ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا» أي مثل عذابه على كفره «في النار».
وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ
«وقالوا» أي كفار مكة وهم في النار «ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم» في الدنيا «من الأشرار».
أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ
«اتَّخذناهم سخريا» بضم السين وكسرها: كنا نسخر بهم في الدنيا، والياء للنسب: أي أمفقودون هم «أم زاغت» مالت «عنهم الأبصار» فلم ترهم، وهم فقراء المسلمين كعمار وبلال وصهيب وسليمان.
إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّۭ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ
«إن ذلك لحق» واجب وقوعه وهو «تخاصم أهل النار» كما تقدم.
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ
«قل» يا محمد لكفار مكة «إنما أنا منذر» مخوّف بالنار «وما من إله إلا الله الواحد القهار» لخلقه.
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ
«رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز» الغالب على أمره «الغفار» لأوليائه.
قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ
«قل» لهم «هو نبأ عظيم».
أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
«أنتم عنه معرضون» أي القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يعلم إلا بوحي وهو قوله.
مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
«ما كان ليَ من علم بالملإ الأعلى» أي الملائكة «إذ يختصمون» في شأن آدم حين قال الله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) الخ.
إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ
«إن» ما «يوحى إليَّ إلا أنما أنا» أي أني «نذير مبين» بيَّن الإنذار.
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن طِينٍۢ
اذكر «إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين» هو آدم.
فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ
«فإذا سويته» أتمته «ونفخت» أجريت «فيه من روحي» فصار حيا، وإضافة الروح إليه تشريف لآدم والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه «فقعوا له ساجدين» سجود تحية بالانحناء.
فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
«فسجد الملائكة كلهم أجمعون» فيه تأكيدان.
إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ
«إلا إبليس» هو أبو الجنّ كان بين الملائكة «استكبر وكان من الكافرين» في علم الله تعالى.
قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ
«قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ» أي توليت خلقه وهذا تشريف لآدم فإن كل مخلوق تولى الله خلقه «أستكبرت» الآن عن السجود استفهام توبيخ «أم كنت من العالين» المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم.
قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ
«قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين».
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ
«قال فاخرج منها» أي من الجنة، وقيل من السماوات «فإنك رجيم» مطرود.
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ
«وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين» الجزاء.
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
«قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون» أي الناس.
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ
«قال فإنك من المنظرين».
إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ
«إلى يوم الوقت المعلوم» وقت النفخة الأولى.
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
«قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين».
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ
«إلا عبادك منهم المخلصين» أي المؤمنين.
قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ
«قال فالحقَّ والحقَّ أقول» بنصبهما ورفع الأول ونصب الثاني، فنصبه بالفعل بعده ونصب الأول، قيل بالفعل المذكور، وقيل على المصدر: أي أحق الحق، وقيل على نزع حرف القسم ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر: أي فالحق مني، وقيل فالحق قسمي، وجواب القسم.
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
«لأملأن جهنم منك» بذريتك «وممن تبعك منهم» أي الناس «أجمعين».
قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۢ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ
«قل ما أسألكم عليه» على تبليغ الرسالة «من أجر» جُعل «وما أنا من المتكلفين» المتقولين القرآن من تلقاء نفسي.
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ
«إن هو» أي ما القرآن «إلا ذكر» عظة «للعالمين» للإنس والجن والعقلاء دون الملائكة.
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ
«ولتعلمن» يا كفار مكة «نبأه» خبر صدقه «بعد حين» أي يوم القيامة، وعلم بمعنى: عرف واللام قبلها لام قسم مقدَّر: أي والله.

Surah 39: Az-Zumar — الزمر

تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
«تنزيل الكتاب» القرآن مبتدأ «من الله» خبره «العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.
إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ
«إنا أنزلنا إليك» يا محمد «الكتاب بالحق» متعلق بأنزل «فاعبد الله مخلصا له الدين» من الشرك: أي موحدا له.
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ
«ألا الله الدين الخالص» لا يستحقه غيره «والذين اتخذوا من دونه» الأصنام «أولياء» وهم كفار مكة قالوا «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» قربى مصدر بمعنى تقريبا «إن الله يحكم بينهم» وبين المسلمين «في ما هم فيه يختلفون» من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار «إن الله لا يهدي من هو كاذب» في نسبة الولد إليه «كفار» بعبادته غيره الله.
لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ
«لو أراد الله أن يتخذ ولدا» كما قالوا: (اتخذ الرحمن ولدا) «لاصطفى مما يخلق ما يشاء» واتخذه ولدا غير من قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله «سبحانه» تنزيها له عن اتخاذ الولد «هو الله الواحد القهار» لخلقه.
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ
«خلق السماوات والأرض بالحق» متعلق بخلق «يكوّر» يدخل «الليل على النهار» فيزيد «ويكور النهار» يدخله «على الليل» فيزيد «وسخَّر الشمس والقمر كل يجري» في فلكه «لأجل مسمى» ليوم القيامة «ألا هو العزيز» الغالب على أمره المنتقم من أعدائه «الغفار» لأوليائه.
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقًۭا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍۢ فِى ظُلُمَٰتٍۢ ثَلَٰثٍۢ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ
«خلقكم من نفس واحدة» أي آدم «ثم جعل منها زوجها» حواء «وأنزل لكم من الأنعام» الإبل والبقر والغنم الضأن والمعز «ثمانية أزواج» من كلٍ زوجان ذكر وأنثى كما بيّن في سورة الأنعام «يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق» أي نطفا ثم علقا ثم مضغا «في ظلمات ثلاث» هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة «ذلكم الله ربكم له الملك لا إله هو فأنَّى تصرفون» عن عبادته إلى عبادة غيره.
إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
«إن تكفروا فإن الله غنيٌ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر» وإن أراده من بعضهم «وإن تشكروا» الله فتؤمنوا «يرضه» بسكون الهاء وضمها مع إشباع ودونه: أي الشكر «لكم ولا تزر» نفس «وازرة وزر» نفس «أخرى» أي لا تحمله «ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور» بما في القلوب.
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّۭ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةًۭ مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ
«وإذا مسَّ الإنسان» أي الكافر «ضرٌ دعا ربه» تضرَّع «منيبا» راجعا «إليه ثم إذا خوّله نعمة» أعطاه إنعاما «منه نسيَ» ترك «ما كان يدعو» يتضرّع «إليه من قبل» وهو الله، فما في موضع من «وجعل الله أندادا» شركاء «ليضل» بفتح الياء وضمها «عن سبيله» دين الإسلام «قل تمتع بكفرك قليلا» بقية أجلك «إنك من أصحاب النار».
أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًۭا وَقَآئِمًۭا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ
«أمَّن» بتخفيف الميم «هو قانت» قائم بوظائف الطاعات «آناء الليل» ساعاته «ساجدا وقائما» في الصلاة «يحذر الآخرة» أي يخاف عذابها «ويرجو رحمة» جنة «ربه» كمن هو عاص بالكفر أو غيره، وفي قراءة أم من فأم بمعنى بل والهمزة «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» أي لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل «إنما يتذكر» يتعظ «أولوا الألباب» أصحاب العقول.
قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ
«قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم» أي عذابه بأن تطيعوه «للذين أحسنوا في هذه الدنيا» بالطاعة «حسنة» هي الجنة «وأرض الله واسعة» فهاجروا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرات «إنما يوفى الصابرون» على الطاعة وما يبتلون به «أجرهم بغير حساب» بغير مكيال ولا ميزان.
قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ
«قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين» من الشرك.
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ
«وأمرت لأن» أي بأن «أكون أول المسلمين» من هذه الأمة.
قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ
«قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم».
قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى
«قل الله أعبد مخلصا له ديني» من الشرك.
فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ
«فاعبدوا ما شئتم من دونه» غيره، فيه تهديد لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون الله تعالى «قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة» بتخليد الأنفس في النار وبعدم وصولهم إلى الحور المعدَّة لهم في الجنة لو آمنوا «ألا ذلك هو الخسران المبين» البيَّن.
لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌۭ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌۭ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ
«لهم من فوقهم ظلل» طباق «من النار ومن تحتهم ظلل» من النار «ذلك يخوِّف الله به عباده» أي المؤمنين ليتقوه يدل عليه «يا عباد فاتقون».
وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ
«والذين اجتنبوا الطاغوت» الأوثان «أن يعبدوها وأنابوا» أقبلوا «إلى الله لهم البشرى» بالجنة «فبشر عباد».
ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ
«الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» وهو ما فيه صلاحهم «أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب» أصحاب العقول.
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ
«أفمن حق عليه كلمة العذاب» أي: (لأملأن جهنم) «أفأنت تنقذ» تخرج «من في النار» جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر والهمزة للإنكار، والمعنى لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار.
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌۭ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌۭ مَّبْنِيَّةٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ
«لكن الذين اتقوْا ربهم» بأن أطاعوه «لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار» أي من تحت الغرف الفوقانية والتحتانية «وعد الله» منصوب بفعله المقَّدر «لا يخلف الله الميعاد» وعده.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَٰمًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ
«ألم تر» تعلم «أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع» أدخله أمكنة نبع «في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج» ييبس «فتراه» بعد الخضرة مثلا «مصفرا ثم يجعله حطاما» فتاتا «إن في ذلك لذكرى» تذكيرا «لأولي الألباب» يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله تعالى وقدرته.
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ
«أفمن شرح الله صدره للإسلام» فاهتدى «فهو على نور من ربه» كمن طبع على قلبه، دلَّ على هذا «فويلٌ» كلمة عذاب «للقاسية قلوبهم من ذكر الله» أي عن قبول القرآن «أولئك في ضلال مبين» بيّن.
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًۭا مُّتَشَٰبِهًۭا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ
«الله نزَّل أحسن الحديث كتابا» بدل من أحسن، أي قرآنا «متشابها» أي يشبه بعضه بعضا في النظم وغيره «مثانَي» ثني فيه الوعد والوعيد وغيرهما «تقشعر منه» ترتعد عند ذكره وعيده «جلود الذين يخشوْن» «يخافون ربهم ثم تلين» تطمئن «جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله» أي عند ذكر وعده «ذلك» أي الكتاب «هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد».
أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
«أفمن يتقي» يلقى «بوجهه سوء العذاب يوم القيامة» أي أشده بأن يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه كمن أمن منه بدخول الجنة «وقيل للظالمين» أي كفار مكة «ذوقوا ما كنتم تكسبون» أي جزاءَه.
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
«كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم في إتيان العذاب «فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون» من جهة لا تخطر ببالهم.
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ
«فأذاقهم الله الخزي» الذل والهوان من المسخ والقتل وغيره «في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا» أي المكذبون «يعلمون» عذابها ما كذبوا.
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
«ولقد ضربنا» جعلنا «للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون» يتعظون.
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
«قرآنا عربيا» حال مؤكدة «غير ذي عوج» أي لبس واختلاف «لعلهم يتقون» الكفر.
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلًۭا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلًۭا سَلَمًۭا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
«ضرب الله» للمشرك والموحِّد «مثلا رجلا» بدل من مثلا «فيه شركاء متشاكسون» متنازعون سيئة أخلاقهم «ورجلا سالما» خالصا «لرجل هل يستويان مثلا» تميز أي لا يستوي العبد بجماعه والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر فيمن يخدمه منهم وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للموحّد «الحمد لله» وحده «بل أكثرهم» أي أهل مكة «لا يعلمون» ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.
إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ
«إنك» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «ميت وإنهم ميتون» ستموت ويموتون فلا شماتة بالموت، نزلت لما استبطؤوا موته صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
«ثم إنكم» أيها الناس فيما بينكم من المظالم «يوم القيامة عند ربكم تختصمون».